ولكن هذا لا يعنى أن الحج كان يمثل دائما المكانة الأولى فيها ، وهو ما رأينا مثاله من قبل فى «سفرنامه». والرحلات تمثل بالأحرى انطباعات من «سنوات التجوال» للعلماء الشبان الذين كان هدفهم قبل كل شىء التعريف بأساتذتهم وبالعلماء الذين التقوا بهم ، متجاهلين تسجيل جوانب الحياة الأخرى. ويكون وصف الرحلة أحيانا قصة ممتازة يسجل فيها صاحبها كل ما رآه أو ما هو جدير بالاهتمام ، وكثيرا ما تبلغ مستوى عاليا من الفن والصياغة الأدبية. ولعل أكثر الآثار قيمة دون منازع فى هذا المجال رحلة ابن جبير ولكنها ليست الأولى من الناحية الزمنية فى هذا الضرب من الأدب.
فأول من وضع الأساس لهذا الفن حسب علمنا ، وكان ذلك قبل نصف قرن من ابن جبير ، هو الفقيه أبو بكر محمد بن العربى (٤٦٨ ه ـ ٥٤٣ ه ـ ١٠٧٦ ـ ١١٤٨) (٢١٧) وأصله من إشبيلية ولكن لم يلبث أن غادرها إلى المشرق (٢١٨) بعد زوال دولة آل عباد التى شغل أبوه فيها مركزا مرموقا ، وكان هدفه الدراسة ، ولم يتجاوز عمره إذ ذاك السادسة عشرة بعد (٤٨٥ ه ـ ١٠٩٢). وفى الشام تتلمذ على واحد من مواطنيه ممن أقاموا هناك وهو أبو بكر الطرطوشى (٢١٩) صاحب كتاب «سراج الملوك» المعروف. وفى بغداد استمع إلى دروس الغزالى (٢٢٠) وأصبح تلميذا للغوى النابه التبريزى (٢٢١) الذى كان يدرس آنذاك بالنظامية وهى نفس المدرسة التى كان يدرس بها الغزالى. ومن بغداد أدى فريضة الحج بطريق الصحراء عام ٤٨٩ ه ـ ١٠٩٦ ثم رجع إلى بغداد ليقيم بها بعض الوقت ، وغادرها إلى مصر فدرس بالقاهرة والإسكندرية على علماء المدينتين. وتوفى أبوه بالإسكندرية عام ٤٩٣ ه ـ ١٠٩٩ ولعل هذا ما دفعه إلى الرجوع إلى وطنه وذلك بعد تجوال دام ثمانية أعوام. وسرعان ما ذاع صيته كقاض وفقيه من أكبر فقهاء المالكية بالأندلس ، وتوفى أثناء رحلة اضطر إلى القيام بها إلى مدينة فاس. وقد خلف لنا عدة مصنفات فقهية (٢٢٢) ، ولم يكن الشعر غريبا عليه فقد حفظ لنا المقرى عددا من قصائده (٢٢٣) ، أما وصف رحلته فمفقود ، وكان يحمل عنوان «الرحلة» أو «ترتيب الرحلة» (٢٢٤) ، وقد نقل عنه ابن خلدون (٢٢٥) والمقرى (٢٢٦). وينقل عنه الأخير وصفا شيقا لغرق سفينتهم عند سواحل أفريقيا ولكن يرجع إلى مصنف آخر له يحمل عنوان «قانون التأويل» ، وهو أمر غير واضح لنا تمام الوضوح. ويبدو من الأسلوب ميل ملحوظ إلى الصنعة (٢٢٧) ؛ وفى موضع آخر يذكر لنا المقرى ولع ابن العربى بصنوف الغرائب (٢٢٨) ويورد أخبارا عديدة عن مقابلاته مع بعض العلماء والأدباء (٢٢٩). وابن العربى يقدم لنا مادة ضخمة فى مجال الحضارة الثقافية والاجتماعية لذلك العصر.
وقد رفع هذا الضرب من الصياغة الأدبية إلى درجة عالية كما ذكرنا من قبل ابن جبير. ولا غرابة فى هذا إذ ينتمى هو وأبوه إلى طبقة الكتاب والأدباء من رجال الدواوين المثقفين ، وهم تلك المجموعة التى لعبت بوجه عام دورا كبيرا فى تطوير الأدب العربى. ويرتفع نسب محمد بن أحمد بن جبير الكنانى إلى
![تاريخ الأدب الجغرافي العربي [ ج ١ ] تاريخ الأدب الجغرافي العربي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3064_tarikh-aladab-aljografi-alarabi-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)