مختلف النواحى. وقد أثبتت الدراسة العميقة التى قام بها ياكوب Jacob أن التحليل الدقيق لرواياته التى كانت تنسب قبلا إلى محيط الأساطير قد يكشف فى كثير منها عن أسس واقعية وعن دقته الكبيرة فى الملاحظة.
ويورد أبو حامد أسماء رواته بدقة ويتحدث عن نفسه بضمير المتكلم (١٩٣) ولهذا يمكن التفريق بسهولة بين مصادر مادته. وكثير مما يورده على لسان الغير لا يمثل فى الواقع أهمية ما وذلك لسهولة تصديقه للعجائب (١٩٤) واعتقاده فيها ، ولكنه على أية حال يبذل دائما قصارى جهده لتوسيع نطاق معلوماته. ففى القاهرة مثلا يتجاذب أطراف الحديث مع أحد أهل الحجاز عن عجائب الهند والصين (١٩٥) حيث أمضى ذلك الرجل هناك أربعين عاما ؛ وفى بغداد يستفهم من أحد مسلمى صقلية عن ثوران بركان اتنا (١٩٦) ؛ وفى هنغاريا يجمع أخبار مفصلة من أهل البلاد عن القسطنطينية والمشاكل السياسية فيها (١٩٧). وتنال أهمية خاصة روايته لما رآه بعينى رأسه ، وهو يمثل ثلث الكتاب بالتقريب (١٩٨). واهتمامه بالأبنية والمعالم المختلفة قد خلف لنا مقدارا ملحوظا من المعطيات الطريفة ، فهو قد رأى أعمدة هرقل عند مضيق جبل طارق وذلك قبل فترة قصيرة من انهيارها عام ١١٤٥. وكان واحدا من بين آخر من رأوا فنار الإسكندرية فى صورته التامة ؛ وآخر من ذكره كان الإدريسى (١٩٩). وبعين شمس قرب القاهرة رأى المسلة المعروفة التى سقطت عام ١١٦٠ (٢٠٠) كما نفذ إلى داخل هرم خوفو (٢٠١) ؛ ويعلق ياكوب على هذا بقوله إن هذه ليست الحالة الوحيدة التى قد تثير اهتمام علماء الدراسات المصرية القديمة (Egyptology) فى كتابه (٢٠٢) ؛ ويصدق هذا القول على مجالات أخرى كثيرة. وإذا حدث وأن وجد لديه علماء التاريخ الطبيعى مادة طفيفة (٢٠٣) إلا أن معلوماته ذات قيمة كبرى فيما يتعلق باستفادة الإنسان من ثمار الطبيعة ، العضوية منها وغير العضوية (٢٠٤).
وليس من المستطاع بطبيعة الحال مقارنة معلوماته عن أوروبا من ناحية الكم بما أورده غيره من الجغرافيين ، ولكن رغما من ذلك نجد من بينها معطيات قيمة كذكره للألمان تحت اسم «نامس» (٢٠٥) (١) ، ومثل حكايته عن هنغاريا التى مكنت العلامة البولندى لفتسكى منذ عهد قريب من إلقاء ضوء جديد على مشكلة أصل المسلمين الهنغاريين ووضعهم (٢٠٦). ويرتبط بهذه المسألة الأخيرة وصفه لمدينة «رومية العظمى» التى يجب أن نبصر فيها القسطنطينية لا رومة نفسها ، وذلك رغم المحاولات العديدة لربطها بالأخيرة (٢٠٧). هذا وقد تعرف العلم الروسى على أبى حامد منذ عهد طويل ، ويرجع الفضل فى ذلك إلى العلامة دورن Dorn الذى كان من أول العلماء الذين اشتغلوا بدراسة الغرناطى دراسة جدية وكان ذلك فى عام ١٨٧٢ ، على الرغم من أن ذكر الغرناطى يرد فى الغرب منذ عهد دربلوd\'Herbelot
__________________
(*) يذكرنا باسم النمسا الذى أخذناه عن العثمانيين الذين أخدوه بدورهم عن الصقالبة ، وهو الاسم الذى ينعت به هؤلاء الأخيرون الشعوب الجرمانية ومعناه لديهم «البكم» ، أى الأعاجم. (المترجم)
![تاريخ الأدب الجغرافي العربي [ ج ١ ] تاريخ الأدب الجغرافي العربي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3064_tarikh-aladab-aljografi-alarabi-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)