وبوجه عام فإن أبحاثه تمثل خطوة جديدة فى دراسة الإدريسى عامة ، ويجب أن يعمل لها حساب خاص بصرف النظر عن المنطقة التى اختارها موضوعا لبحثه (١٧٨). ولا تخلو من فائدة رغم هدفها المتواضع دراسة هنرباخ Hoenerbach لوصف الإدريسى لألمانيا والبلاد المجاورة لها ، وكذلك مقال لقتسكى Lewicki عن وصف الإدريسى لطريق من الطرق الخارجة من كييف. ولا شك أن الوضع الآن فيما يتعلق بالإدريسى أفضل بكثير مما كان عليه فى نهاية القرن الماضى ، بحيث أصبح فى الإمكان تقديم طبعة كاملة وترجمة «لنزهة المشتاق». وقد فكر فيران Ferrand وغودفروا ديمومبين G.Demombynes فى مثل هذا العمل بالفعل ولكن لم يكتب له أن يرى النور بسبب وفاة الأول. وفى الأعوام الأخيرة ترددت الفكرة أكثر من مرة ، فى هولندا حين ظهرت فكرة إخراج طبعة جديدة «لمكتبة الجغرافيين العرب» Bibliotheca Geographorum Arabicorum ، وكذلك فى المؤتمرات الجغرافية المنعقدة بإيطاليا حيث دار الكلام بشكل خاص عن الخارطات (١٧٩). هذا وقد تضافرت حوادث الأعوام الأخيرة مع عسر المهمة نفسها على تأجيل تنفيذ هذا العمل إلى أجل غير مسمى (١).
وفى خلال المائة عام التى أعقبت ظهور ترجمة جوبير أخذت صورة المصنف الجغرافى الأكبر للإدريسى تبدو واضحة المعالم بفضل الدراسات المستقلة لأجزائه المختلفة. كما توكد أكثر من ذى قبل صدق الحكم الذى أصدره عليه رينوR.inaud منذ مائة عام تقريبا حين قال «والإدريسى فى بعض النقاط قد ساعد بالأحرى على تقهقر العلم بدلا من تقدمه ، غير أن مصنفه على وجه العموم يمثل صرحا هائلا فى ميدان الجغرافيا ، يشبه فى هذا الصدد مؤلف استرابون Strabon (١٨٠)». ولن يفكر أحد الآن فى منازعة رأى بارتولد الذى يبصر فيه «محاولة للتنظيم والترتيب ولكن على حساب الدقة والتثبت». ورغما من كل هذا فإن الجميع يوافقون أمارى فى اعتباره الكتاب «أفضل رسالة فى الجغرافيا وصلتنا عن العصور الوسطى» (١٨١) سواء من الشرق أو الغرب ؛ وعلى هذا الحكم يقف الآن إجماع آراء المستعربين ومؤرخى الجغرافيا على السواء (١٨٢).
وإذا ما رأى الأكفانى فى الإدريسى رحالة فقط وأشار إلى «جوبه الآفاق» فإن حكمه هذا يبعد كثيرا من الصحة ، ذلك أن الإدريسى فى حقيقة الأمر عالم جغرافى. أما الرحالة جواب الآفاق فقد كان معاصره الأكبر منه سنا أبو حامد الغرناطى ، بالرغم من أنه لم يدون انطباعاته عن الطريق فى شكل ملاحظات بل أحيا النمط الأدبى القديم «لكتب العجائب» فصنف مؤلفا ذا طابع كوزموغرافى بحت ؛ وهو فى هذا ربما كان واضع لبنة جديدة فى الأدب الجغرافى العربى. وقد ولد بغرناطة عام ٤٧٣ ه ـ ١٠٨٠ وكان اسمه الطويل بما يصحبه من كنى وأنساب مدعاة إلى الخلط الذى حدث أكثر من مرة ،
__________________
(*) تواترت الأخبار أخيرا بتأليف لجنة من المستشرقين بإيطاليا لتتولى هذه المهمة ، ومن المعتقد أن العمل سيوزع على عدد من العلماء من مختلف البلدان ليدرس كل واحد منهم المنطقة التى تمثل ميدان تخصصه. (المترجم)
![تاريخ الأدب الجغرافي العربي [ ج ١ ] تاريخ الأدب الجغرافي العربي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3064_tarikh-aladab-aljografi-alarabi-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)