الوسيطة بل ويعتبر أى زعم من هذا القبيل ضربا من «الهذيان العلمى» Scientific Hallucinations (١٦٩). وإذا وجد ثمة تأثير فإنه دون ريب لم يكن للإدريسى نفسه بل للوسط الذى أمضى فيه زهرة عمره ؛ وبعض مؤرخى الجغرافيا والمسائل الملاحية يعللون هذا التأثير بأن أهل صقلية كانوا أساتذة الجنويين فى الملاحة وأن الأخيرين نقلوها بدورهم إلى الإسبانيين والبرتغاليين والفرنسيين والإنجليز على التوالى (١٧٠). هذا بلا ريب أمر لا تربطه علاقة مباشرة بالنشاط الجغرافى للإدريسى الذى يرجع الفضل فى التعريف به إلى الاستعراب الأوروبى ، لا فى القرن السابع عشر حين استعمل ملخص للكتاب بل فى القرنين الثامن عشر والتاسع عشر حين أصبح فى حيز الإمكان الاتصال بأصل الكتاب اتصالا مباشرا عن طريق مخطوطاته الأصلية.
وقد اقتنع العلماء بصعوبة العمل فى كتاب الإدريسى كوحدة قائمة بذاتها وذلك لتعدد الأقطار التى يصفها وتنوع المادة التى يوردها ، لذا فإنه بعد المحاولة الفاشلة التى قام بها جوبير لترجمة الكتاب ترجمة كاملة اهتدى البحاثة إلى أن المنهج الصحيح هو الاقتصار على دراسات محددة لكل قطر من الأقطار المختلفة. ووضع هارتمان Hartmann اللبنة الأولى لهذا منذ القرن الثامن عشر ببحثه عن أفريقيا عند الإدريسى (١٧١) ، وهو بحث وإن عفى عليه الزمن إلا أنه كان بالنسبة لعصره مجهودا محمودا. وكان البحث المشهور لدوزى Dozy ودى خويه De Goeje (١٧٢) عن أسبانيا وأفريقيا الشمالية أول خطوة جدية فى هذا المضمار ، وقد أتم هذا البحث وأضاف إليه فيما يتعلق بأسبانيا العلامة سافدراSaavdra (١٧٣). ونفس هذه الدرجة العالية تتمتع بها دراسة الأجزاء الخاصة بإيطاليا وصقلية على يد أمارى Amari ، واسكيابارلى Schiaparelli (١٧٤) ، وهى دراسة هامة أيضا فيما يتعلق بمسائل عامة تتصل بدراسة الإدريسى. والجزء الأقل أهمية من ذلك وهو الذى أفرده الإدريسى للشام وفلسطين قد ترجم ونشر عدة مرات (جلدمايسترGildmeister (١٧٥) وبراندل Brandel (١٧٦) ومدنيكوف Mednikov (١٧٧)) ، كما قدم توماشك تحليلا ممتازا لمادة الإدريسى عن شبه جزيرة البلقان ، ولكن لم ينشر النص أو ترجمة كاملة له. ولا تخلو من الأهمية فى الجوانب المتعلقة بها تلك الدراسات التى نوهنا إليها من قبل فيما يتعلق بالهند والشرق الأقصى.
وقد انبعث الاهتمام بالإدريسى من جديد فى السنوات الثلاثينات بصفة خاصة ، ويرجع الحافز إلى هذا نشرك. ميلر لخارطاته. والدراسات التى ظهرت فى تلك الآونة كانت ذات علاقة مباشرة بأراضى اتحادنا السوفيتى ، ونخص بالذكر منها أبحاث تالغرين توليوTallgren ـ Tuulio. وقد كانت نقطة الابتداء فى دراسته وصف فنلندا لدى الإدريسى ، ولكنه لم يلبث أن أخضع لبحث عميق الأجزاء التى تمس الدنمارك والنرويج والسويد وألمانيا الشمالية واستونيا وشبه جزيرة كولا وشمالى روسيا ومناطق الدنيبر الأعلى. ونظرا لتطبيقه مناهج جديدة فى الدراسة فقد أثار عددا من المشاكل والاعتبارات الخاصة ؛
![تاريخ الأدب الجغرافي العربي [ ج ١ ] تاريخ الأدب الجغرافي العربي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3064_tarikh-aladab-aljografi-alarabi-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)