عن سيرة حياة الإدريسى نفسه كانت قليلة ومتناثرة. ومنذ بداية السنوات الأربعينات للقرن الماضى أورد دى سلان De Slane ، وذلك بصدد تقريظه لترجمة جوبير للإدريسى ، أسماء المؤلفين الذين أغفلوا ذكر أى شىء عن الإدريسى رغما من أن الدلائل تشير إلى إمكان معرفتهم به (١٦٠) ؛ ويجب الاعتراف بأن مادتنا لم تنم منذ ذلك التاريخ ولو قليلا. وقد أراد بعض العلماء أن يبصر فى ذلك الصمت أمرا مقصودا مرده إلى أن الإدريسى كان يعمل ببلاط ملك نصرانى بل ورفع إليه مصنفا يمتدحه فى افتتاحيته ؛ ولعل الدوائر السنية اعتبرته مارقا ، كما وأنه من الجائز أن يكون حجم الكتاب وخارطاته المعقدة قد جعل من مسألة استنساخه أمرا عسيرا مما كان سببا فى إعاقة انتشار مخطوطاته.
ومن بين المؤلفين الذين استعملوا مصنفات الإدريسى استعمالا مباشرا اثنان ، أحدهما وهو ابن سعيد المغربى الذى عاش فى النصف الثانى من القرن الثالث عشر أخذ عن الإدريسى كل معلوماته عن أوروبا تقريبا (١٦١) ومقدارا لا يستهان به عن بلاد أخرى (١٦٢) ؛ أما الثانى وهو أبو الفدا الذى عاش فى بداية القرن الرابع عشر فقد نقل عن الكتاب الثانى للإدريسى كما رأينا. وأبعد إلى جهة الشرق من هذين فإن معرفة الناس بالإدريسى لم تكن واسعة ، ولا يخلو من مغزى فى هذا الصدد أن خبيرا كبيرا بالأدب الجغرافى مثل ياقوت الحموى لا يعلم عنه شيئا على الإطلاق (١٦٣) ؛ وربما كان السبب فى هذا أيضا الموقف السلبى الذى وقفه ممثلو المدرسة الرياضية من منهج الإدريسى .. ومما يسترعى النظر بوجه خاص شهادة الطبيب المصرى الأكفانى (توفى عام ٧٤٩ ه ـ ١٣٤٨) فى كتابه الفريد الذى يحلل فيه ستين علما من العلوم ويشير إلى أهم الكتب فى كل فرع منها (١٦٤). ففى القسم الخاص بالجغرافيا يقول (١٦٥) :
«ولبطلميوس فى أحوال المساكن والأقاليم كتاب يعرف بجغرافيا تام فى معناه إلا أن أكثر مسمياته مجهولة عندنا لأنها أسماء أعلام نقلت بجلها من اللغة اليونانية. وكتاب نزهة المشتاق فى اختراق الآفاق فيه مخالفة لقسمة الأقاليم فإن مؤلفه وإن كان عارفا بالمسالك والممالك لجوبه الآفاق فإنه عرى من علم هيئة الأفلاك». من هذا يتضح لنا أن محاولة الإدريسى للتقريب بين الجغرافيا الوصفية والفلكية قد عرفت فى الشرق بوصفها محاولة فاشلة ، تماما كما عرفها العلم الحديث (١٦٦).
إن نشاط الإدريسى فى الجغرافيا فى قطر أوروبى يقع على الحد الفاصل بين حضارتين ألقى فى روعه أن تأثيره سيمتد على أوربا أكثر مما على العالم العربى. بيد أن شيئا من هذا لم يحدث فقد بقى أثره الجغرافى مجهولا إلى بداية القرن السابع عشر فيما يبدو. صحيح أن الكارتوغرافى ميلرK.Miller أراد أن يبصر تأثيرا لخارطاته على خارطة مارينو سانودوMarino Sanudo التى نشرها فسكونتى Visconti عام ١٣١٨ ـ ١٣٢٠ (١٦٧) ، وأيضا على الخارطات القطلونية (Catalonian) (١٦٨) ، بيد أن كل هذا محض افتراضات نظرية. ويوسف كمال ، وهو من أفضل الخبراء فى الكارتوغرافيا العربية والكارتوغرافيا الأوروبية المبكرة فى العصور الوسطى ، ينفى نفيا باتا وجود أى تأثير مزعوم لمتن البكرى ولخارطات الإدريسى على أوربا
![تاريخ الأدب الجغرافي العربي [ ج ١ ] تاريخ الأدب الجغرافي العربي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3064_tarikh-aladab-aljografi-alarabi-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)