بسيط لا أثر للصنعة فيه ، هذا إذا استثنينا الافتتاحية بما يصحبها عادة من العبارات المتكلفة الموجهة إلى الشخص الذى بعث بالرسالة إليه. وهى بلا شك تعكس انطباعات حية مباشرة عن ذلك العصر المضطرب الذى لم يتجاوز فيه سلطان الخليفة فى واقع الأمر بغداد ونواحيها ؛ وكانت حلب آنذاك تحت حكم المرداسيين بينما كانت أنطاكية فى قبضة البيزنطيين ؛ أما مصر فقد سيطر عليها الفاطميون. ورغما عن هذا فقد كانت حرية التنقل كما أبصرنا مكفولة لا فى داخل العالم الإسلامى فحسب بل حتى بين الدولة البيزنطية وأراضى الإسلام (١٣١).
ويرتبط بعهد السلاجقة التالى لذلك كتاب باللغة العربية ذو أهمية بالغة بالنسبة للجغرافيا ، ذلك هو «ديوان لغات الترك» (١٣٢) لمحمود الكاشغرى الذى يعتبره بارتولد «الوحيد تقريبا الذى كتب بالعربية عن آسيا الوسطى معتمدا فى ذلك على معرفته الشخصية بتلك البلاد ولم ينقل عن مراجع مدونة» (١٣٣). وقد تم تدوين كتابه ببغداد بين عامى ٤٦٤ ه ـ ١٠٧٢ و ٤٦٦ ه ـ ١٠٧٤ كما يذكر ذلك هو بنفسه (١٣٤) ؛ وقد يثير هذا الاختلاف فى التواريخ بعض الشبهات رغما من أن المخطوطة الفريدة المعروفة للكتاب والتى ترجع إلى القرن السابع أو الثامن الهجرى قد أخذت عن المخطوطة الأصلية بيد المؤلف. ولاعتبارات تتعلق بمادة الكتاب فإنه لا يوجد ثمة شك فى أن تاريخ تأليفه يرجع إلى النصف الثانى من القرن الحادى عشر. وليست لدينا معلومات على الإطلاق توضح سبب ظهوره ببغداد بالذات. والمعلومات الطفيفة عن حياة مؤلفه يجب استخراجها من صلب الكتاب نفسه ؛ فيتضح من ذلك مثلا أن المؤلف كان يجيد العربية إجادة تامة بالرغم من أنه كان تركى الأصل وربما انتمى فيما يبدو إلى أسرة القاراخانيين الذين حكموا بالمشرق ؛ وكان لأبيه صلة ما بمدينة برسخان القريبة من بحيرة ايسيق كول Issik Kol. وهو قد سافر كثيرا فى سهوب آسيا الوسطى وجال فى بلدان الترك وأجاد تقريبا جميع اللهجات التركية بآسيا الوسطى (١٣٥). أما من ناحية اللغة فكتابه يمثل أهمية كبرى لا نظير لها ؛ وقد كان الكشف عنه بين مجموعة العلامة التركى المعروف على أميرى الديار بكرى (١٨٥٧ ـ ١٩٠٤) (١٣٦) ، ثم طبعه بتركيا أثناء الحرب العالمية الأولى (١٣٣٣ ه ـ ١٣٣٥ ه ـ ١٩١٤ ـ ١٩١٦) ، حدثا هاما فى تاريخ دراسة اللهجات التركية. ولا تقل عن ذلك أهميته من وجهة نظر الجغرافيا لأنه يقدم لنا مادة وفيرة من محيط الأدب الشعبى التركى ومعلومات وافية عن مواضع سكنى القبائل التركية تصحبها تفاصيل عديدة عن الجغرافيا التاريخية للبلدان التى يقيمون بها. والمادة التى يوردها المؤلف جديرة بالثقة وكثيرا ما دعمتها الاكتشافات الأثرية الحديثة فى آسيا الوسطى (١٣٧).
أما الخارطة المستديرة التى حفظت بالمخطوطة والتى توفر على دراستها اثنان من العلماء هما ميلرMiller (١٣٨) وهرمان Hermann (١٣٩) فإنها تمثل أهمية قصوى ؛ ورغما عن ذلك فلا يمكن القول بأن جميع المسائل المتعلقة بها قد وجدت الحل النهائى ، خاصة وأن الباحث قد درسها منفصلة عن متن محمود الكاشغرى.
![تاريخ الأدب الجغرافي العربي [ ج ١ ] تاريخ الأدب الجغرافي العربي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3064_tarikh-aladab-aljografi-alarabi-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)