وقول هرمان بأن أحد الأسماء الموجودة بالخارطة يقصد منه اليابان (١٤٠) قد أحاط به الكثير من التشكك ، كما أن افتراضه بأن الخارطة يجب أن تعتبر أثرا طريفا وأصيلا كل الأصالة لا يستند على أى أساس من الواقع (١٤١). ولا يزال من الصعب القول بما إذا كانت الخارطة معاصرة للمتن وهل رسمها المؤلف بنفسه. والمرجح أنها ترجع فى الأصل إلى خارطة العالم المستديرة «بأطلس الإسلام» للمدرسة الكلاسيكية فى الجغرافيا (١٤٢) ، ولكن واضعها استباح لنفسه حرية كبيرة فجعل مركز الخارطة مدينة كاشغر ومنطقة الأنهار السبعة (يدى صوSemirechie) مع مدينة بلاساغون ، وذلك بدلا من مكة. ومن المؤكد أنه كان يعتبر هذه المنطقة مركز مساكن القبائل التركية ، الأمر الذى يعززه متن الكتاب. ولا شك أن الخارطة قد عملت خصيصا لتصوير هذه المنطقة والمناطق المتاخمة لها ، أما الأقاليم الأخرى فإن واضع الخارطة لم يهتم لها كثيرا ، ولعلها أضيفت مؤخرا إلى النواة الأساسية للخارطة ؛ على أية حال فإن تبيينها على الخارطة ليس من الدقة كما يجب. ولعل الفكرة الأساسية كانت متجهة نحو إخراج خارطة إقليمية ولكن على هيئة صورة «الخارطة المستديرة للعالم» ؛ إلا أن المؤلف قد ارتأى بالتالى أن يملأ الأجزاء الخالية منها بالأسماء المعروفة له ، ومن ثم أصبحت خارطة للعالم قائمة بذاتها. ويرجع الفضل لأمنياكوف Umniakov (١٤٣) فى إلقاء ضوء على التفاصيل المتفرقة لهذا الأثر الفريد فى الكارتوغرافيا العربية والذى يمثل أهمية خاصة بالنسبة للجغرافيا التاريخية لجوف آسيا والمناطق المتاخمة له.
وبعهد السلاجقة أيضا ، ولكن فى أخرياته ، يرتبط اسم شرف الزمان طاهر المروزى (١٤٤) الذى كان طبيبا ببلاطهم. ومنذ عهد غير بعيد أصبح معروفا فى بعض المخطوطات مصنفه «طبائع الحيوان» الذى يبحث فى جوهره فى علم الحيوان ولكن القسم الأول منه يعالج الكلام على الأجناس البشرية والجغرافيا (١٤٥). ولا يمكن تحديد زمن تأليفه إلا بصورة تقريبية ، فآخر تاريخ موجود به يرجع إلى عام ٥١٤ ه ـ ١١٢٠ ولكن توجد بالكتاب أخبار حوادث شهدها المؤلف بنفسه فى النصف الثانى من القرن الحادى عشر (١٤٦). وأكثر رواياته قيمة هى تلك التى يرد فيها الحديث عن الشرق الأقصى ـ الهند والتبت والصين. هذا وقد تم الكشف من قبل عن شذرات منه لدى الكاتب الفارسى عوفى (١٤٧) فى بداية القرن الثالث عشر ، وكذلك عند ابن المهنّا فى بداية القرن الرابع عشر وهو مؤلف اشتهر بكتاباته عن اللغات الشرقية ؛ غير أنهما لم يقدما أية فكرة عن قيمة الكتاب بوجه عام (١٤٨). ومهم بالنسبة لنا حفظه لعدد كبير من روايات الجيهانى مع الإشارة الدقيقة إليه ؛ وبهذا أمكن التعرف على عدد من الروايات المجهولة الأصل عند المؤلفين الآخرين (١٤٩). وثمة أهمية خاصة تمثلها قصته عن سفارة بعث بها حوالى عام ٤١٨ ه ـ ١٠٢٧ «حاكم الصين والترك» إلى بلاط محمود الغزنوى ؛ وخبر هذه السفارة معروف لنا من كرديزى ولكن بصورة مبهمة (١٥٠). وهى لم تسفر عن أية نتائج سياسية لأن محمودا رفض أن يدخل فى علاقات دبلوماسية مع الكفار ؛ ولكنها فيما يبدو قد تركت أثرها على العلم ، إذ يلوح أن وصف الطريق بين غزنة
![تاريخ الأدب الجغرافي العربي [ ج ١ ] تاريخ الأدب الجغرافي العربي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3064_tarikh-aladab-aljografi-alarabi-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)