فى المشرق فقد أثار دهشته ما كانت تتمتع به مصر من رخاء وأمن. ويغلب على الظن أن يكون اعتناقه نهائيا للمذهب الإسماعيلى قد تم بالقاهرة ، وقد أصبح بالتالى داعية متحمسا لمذهبهم فى موطنه.
أما حجّته الرابعة إلى مكة فقد أخذ فيها طريقا مغايرا ، إذ أنه ركب النيل إلى أسوان ؛ وبعد سفر شاق لمدة خمسة عشر يوما من شهر يوليو عام ١٠٥٠ وصل إلى عيذاب على البحر الأحمر ومنها أخذ البحر إلى جدة. وفى زيارته هذه الرابعة يقدم وصفا مفصلا لجميع المواضع والأبنية التى تهم الحجاج بمكة خاصة الكعبة وما يتعلق بها. أما قصة اجتيازه لجزيرة العرب فتمتاز بالكثير من الحيوية والمتعة ، فقد ذهب إلى الطائف حيث سمع فى نواحيها قصة ليلى والمجنون ، ثم سار فى محاذاة جبل الطويق ذى الصخور البازلتية فمر فى طريقه بواحة فلج إلى اليمامة فالبحرين على الخليج الفارسى. وقد اضطر إلى البقاء أربعة أشهر فى ظروف مرهقة بواحة فلج لم يكن يمتلك أثناءها من متاع الدنيا سوى سلتين مليئتين بالكتب لم تجدياه فتيلا مع السكان الجهلاء الذين كانوا يعيشون إلى حد كبير على قطع الطريق. وقد بلغ البصرة وهو لا يملك شيئا ، ولكنه يقدم لنا فى مقابل ذلك وصفا مفصلا وهاما للأحساء التى كانت لا تزال تحت سلطان القرامطة (١١٦). وفى البصرة تمكن من أخذ طريق العودة إلى وطنه بفضل معاونة وزير ثرى من أهل الأهواز ، فمر فى طريقه بمهربان وارجّان وأصفهان ، ووصل إلى بلخ فى أكتوبر عام ٤٤٤ ه ـ ١٠٥٢ (١١٧) بعد صعوبات جمة صادفها فى الطريق. وهو يختتم كتابه بأمله فى أن يوفق فى القيام برحلة مماثلة إلى المشرق ؛ غير أن طريق حياته اتخذ اتجاها مغايرا فلم يكتب لهذه الرغبة أن تتحقق.
وسفرنامه يرتبط ارتباطا ضئيلا بالرواية الجغرافية المدونة وقليلا ما يتحدث المؤلف عن التقائه بالعلماء فى المدن المختلفة التى زارها. ولا ريب فى أنه كان ملمّا بالأدب الجغرافى لعصره ، غير أنه لم يهدف بكتابه غرضا علميا فهو ينتمى إلى نمط إلى مغاير لذاك. وعلى الرغم من دقته فى الملاحظة إلا أنه كان فى ذات الوقت يعتنق آراء جد خاطئة عن التركيب العام للعالم (١١٨) ؛ وكان هدفه أن يقدم وصفا لما رآه وسمعه بنفسه ، وسرده بسيط فى أسلوبه ويخلو من أثر الصنعة ولكنه يتميز بالحيوية أحيانا ، كما لا يخلو من العنصر الدرامى. وهو فى مواضع من وصفه يفصل الكلام بصورة مرهقة عن الأبنية والآثار ، بالرغم من أن ذلك قد لا يهم القارئ كثيرا. أما تاريخ تأليف الكتاب فغير معروف لنا ، لكن الكتاب نفسه يعتمد إلى حد كبير على المذكرات التى دونها المؤلف أثناء الطريق وذلك وفقا لألفاظه هو ؛ كما أنه يذكر فيه أنه عمل أحيانا رسوما (Sketches) للطريق. والكتاب وإن أمكن ضمه من ناحية فكرته الأساسية إلى نمط «كتب الزيارات» (أى الحج) إلا أن هذه الفكرة لم تطغ على الانطباعات الأخرى التى أثرت فى نفس المؤلف والتى عرف كيف يبرزها لنا بحيوية فائقة. ومن المؤسف أن المسودة الأولى الكاملة له لم تصلنا ، بل وصلنا فى رواية موجزة إلى حد ما ربما قام بها شخص من أهل السنة حاول بدوره أن يزيل عنها جميع
![تاريخ الأدب الجغرافي العربي [ ج ١ ] تاريخ الأدب الجغرافي العربي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3064_tarikh-aladab-aljografi-alarabi-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)