من ذلك فلا يوجد شك فى أن هذا الطريق قد سار فى نفس الاتجاه الذى سارت فيه طرق المواصلات بين الصين والغرب (١١٠). هذا ونادرا ما نقل المؤرخون المتأخرون عن كرديزى ، كما وأن تأثيره على تطور العلم بالتالى لم يكن كبيرا على ما يظهر (١١١).
وفى وقت واحد مع كتاب كرديزى هذا الذى يمثل فى جوهره مصنفا تاريخيا ظهر باللغة الفارسية وفى آسيا الوسطى أيضا وصف رحلة «سفرنامه» لناصر خسرو المشهور (٣٩٤ ه ـ حوالى ٤٨١ ه ـ ١٠٠٣ ـ ١٠٨٨) (١١٢). ولد ناصر خسرو ببلخ وعاش نيفا وأربعين عاما من حياته كعامل حكومى متوسط الحال بمدينة مرو فى خدمة السلاجقة الذين بدأ نجمهم يعلو آنذاك. ثم اعتراه تحول نفسانى عميق دفعه إلى التجوال سبع سنوات ، وأنهى أيامه كداعية للإسماعيلية بمنطقة بدخشان الجبلية. ويحتل شخصه مكانة مرموقة فى الأدب الفارسى وفى تاريخ الحركات الدينية فى الإسلام (١١٣). أما فيما يتعلق بموضوعنا فسنقصر الحديث على روايته لأسفاره.
ففى مارس من عام ١٠٤٦ خرج من مرو يريد الحج فمر بنيسابور فى طريقه إلى الرى ، وفى أثناء مسيره يشير إلى أن الكثير من النشادر كان يستخرج إذ ذاك من جبل دنباوند (Demavend). وفى طريقه مر على قزوين وتفليس وميافارقين وآمد (دياربكر) إلى حلب وطرابلس ؛ وفى معرة النعمان زار الشاعر الأعمى المشهور أبا العلاء المعرى. ثم أخذ طريق الساحل من بيروت فوصل إلى عكا ومنها قام بعدة زيارات إلى الأماكن المقدسة العديدة ومن بينها طبرية ؛ وبعد رجوعه إلى عكا استمر فى طريقه مارا بحيفا والرملة وبيت المقدس حيث أقام مدة ما تخللها رحلات صغيرة إلى المدن القريبة مثل حبرون الخليل. ويمثل وصفه لبيت المقدس قسما من أهم أقسام كتابه ، مما مكّن لمدنيكوف Mednikov على أساسه أن يقدم وصفا واقعيا للمسجد المعروف بمسجد عمر (١١٤). ومن القدس أدى ناصر خسرو أول حجة إلى مكة فى ربيع عام ١٠٤٧ ، ومنها رجع إلى القدس فأخذ طريق البر مارا بالرملة متجها إلى عسقلان ثم أخذ السفينة من مر فأطينة الصغير إلى جزيرة تنيس بمصر عند بحيرة المنزلة. وفى جزيرة تنيس ـ وبها مدينة مزدحمة بالسكان ـ كان يقيم آنذاك أهل الحرف من النساجين الذين اشتهرت صناعتهم فى الشرق بأجمعه ، ولكن كانت فى الغالب تحتكرها الحكومة ، وهى النسيج المعروف بالطراز ؛ كذلك اشتهرت بصناعة الحديد والعطر.
هذا وقد امتدت إقامة ناصر خسرو بمصر من أغسطس ١٠٤٧ لعدة أعوام. وفى هذه الفترة أدى فريضة الحج ثلاث مرات كانت كلها عن طريق البحر من القلزم إلى مرفأ الجار ، ومنها إلى المدينة ثم مكة. أما القسم الأساسى من وصف رحلته فقد كرسه لمصر وتم الاعتراف به منذ عهد بعيد كمصدر من أهم مصادر تاريخ وخطط مدينة القاهرة فى العهد الفاطمى (١١٥). وهو يصف فى كثير من التفصيل التجارة وحياة المدينة ورسوم البلاط الفاطمى ونظام الإدارة فى عهد الخليفة الفاطمى المستنصر. وبعد كل ما رآه
![تاريخ الأدب الجغرافي العربي [ ج ١ ] تاريخ الأدب الجغرافي العربي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3064_tarikh-aladab-aljografi-alarabi-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)