فى عصره يشير إلى النقيض ؛ ولعله لم يكن على علم بذلك أو أنه بجاهله عن قصد. فقد وجد فى القرن السابق عليه مصنف مثل «حدود العالم». وحتى إذا سلمنا جدلا بأن البيرونى لم يجد فى الأدب الجغرافى ما يجعله أهلا لحمل اسم العلم فإننا نجد أمثلة تدل على أن اللغة الفارسية قد استعملت فى ذلك العهد فى ميدان العلوم الطبيعية ؛ فبين عامى ٣٥٧ ه ـ ٩٦٨ و ٣٦٦ ه ـ ٩٧٧ وضع موفق الهروى ، وهو أحد المقربين من السامانيين ، كتابه فى الصيدنة باللغة الفارسية معتمدا فى ذلك كما هو الحال مع كتاب البيرونى لا على العناصر العربية وحدها بل أيضا على العناصر اليونانية والسريانية والهندية. وهو ذو أهمية لا بالنسبة لتاريخ الطب والكيمياء فحسب بل وبالنسبة لتاريخ اللغة الفارسية كذلك (١٠٢). والطريف فى الأمر أن أقدم مخطوطاته ترجع إلى عام ٤٤٧ ه ـ ١٠٥٦ (١٠٣) ، أى أنها تكاد تكون معاصرة للبيرونى. وأما استعمال اللغة الفارسية فى محيط الأدب التاريخى والجغرافى فقد أضحى منذ ذلك العهد أمرا مألوفا حتى فى الوسط الذى كتب فيه البيرونى ؛ ويبدو أنه لم يشاطره أحد ممن عاش فى ذلك الوسط موقف الريبة الذى وقفه من اللغة الفارسية.
وواحد من هؤلاء المؤرخين الذين كتبوا بالفارسية وهو كرديزى يذكر أنه استمع إلى البيرونى. وكرديزى ينتسب كما يتضح من اسمه إلى محلة تقع إلى الجنوب عن غزنة على الطريق إلى الهند ؛ ولم يمكن العثور على أية معلومات تتصل بسيرة حياته (١٠٤). ويرجع الفضل إلى حد بعيد إلى دراسات المستشرق الروسى بارتولد فى تعريف الوسط العلمى بكتابه «زين الأخبار» الذى لم يطبع طبعة كاملة إلى الآن. وقد تم تأليفه فى عهد السلطان الغزنوى عبد الرشيد (٤٤٠ ه ـ ٤٤٤ ه ـ ١٠٤٩ ـ ١٠٥١) ، وهو يمثل فى جوهره مصنفا تاريخيا يعالج تاريخ الأكاسرة وتاريخ محمد والخلفاء إلى عام ٤٢٣ ه ـ ١٠٣٢ وتاريخ خراسان من الفتح العربى إلى عام ٤٣٢ ه ـ ١٠٤١. وقد أضيفت إلى الكتاب فصول عن العلوم اليونانية والتقاويم والأعياد الدينية لمختلف الشعوب. وفى القسم الأخير من الكتاب يرد الكلام على الأنساب والعلوم عامة ، وعقد فيه المؤلف فصلا عن الترك (١٠٥) يمثل أهمية كبيرة بالنسبة لجغرافيا آسيا الوسطى وهو ذلك الفصل الذى قام بارتولد بدراسته دراسة مفصلة. أما الفصل عن الهند فيستشهد فيه مرارا بالبيرونى ، كما يدين فيه بالكثير إلى الجيهانى أيضا (١٠٦). وفى فصله عن الترك يذكر من بين مصادره ابن خرداذبه والجيهانى (١٠٧). ومن بين المصادر التى لا يسيميها يحتل ابن رسته مركزا رئيسيا خاصة فى الأجزاء التى تمس أوروبا الشرقية ، هذا بالرغم من أن المؤلف لم يشر إليه ولو مرة واحدة (١٠٨). أما فيما يتعلق بالقسم التاريخى فإن مصنفه ينال أهمية خاصة لأنه يعتمد فيه إلى حد كبير على كتاب «تاريخ خراسان» للسلامى (١٠٩) الذى لم يصل إلينا والذى يرجع تاريخ تأليفه إلى منتصف القرن الرابع الهجرى (التاسع الميلادى). وفى وصفه للصين يمثل أهمية قصوى وصفه للطريق بين طرفان Turfan وخمدان Khumdan عاصمة الصين آنذاك ؛ ولا تزال فى هذا الوصف جوانب عديدة غير واضحة ، ورغما
![تاريخ الأدب الجغرافي العربي [ ج ١ ] تاريخ الأدب الجغرافي العربي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3064_tarikh-aladab-aljografi-alarabi-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)