وقد تم الكشف عنه منذ أمد غير بعيد فى مخطوطة فريدة بمدينة بروسة بتركيا ولا يزال معروفا فى مقدمته فقط التى نشرها ماكس ميرهوف Max Meyerhhof. وكما رأينا من قبل فإن البيرونى لم يقصد به البحث فى الأثر الطبى للأدوية (٩٦) ، ولما لم يكن يعتبر نفسه متحصصا فى هذه المسائل فقد استعان بخبرة طبيب من معارفه (٩٧). والشذور التى نشرت من هذا الكتاب إلى الآن توكد أهميته البالغة ليس فقط بالنسبة للناحية التى يبحث فيها بل أيضا بالنسبة لنواح عديدة من بينها الجغرافيا. وقد ترجم هذا الكتاب إلى الفارسية ، الأمر الذى يدل على ما تمتع به من انتشار واسع. وقد اقتنع ميرهوف بعد بحث عميق أن هذا الكتاب يقف برهانا على أن البيرونى عالم لا مثيل له فى جميع العصور الوسطى سواء فى عمق التفكير أو متانة منهجه فى البحث (٩٨).
والمعلومات الواقعية التى يوردها البيرونى كانت معروفة لدى الجغرافيين المتأخرين الذين أفادوا منها كثيرا كما أبصرنا من مثال ياقوت وأبى الفدا والمقريزى. وعلى النقيض من هذا لم تجد نظرياته الأصيلة الفذة من يكملها أو يواصل البحث فيها وبقيت غير مطبقة من الأجيال التالية ، وقد حدث هذا بوجه التحديد لمشروعه الهندسى لمساقط الخارطات (٩٩) كما هو الشأن مع كثير غيرها مما أبدعته هذه العقلية الفذة. وقد كان مصيره فى أوروبا الوسيطة أسوأ من هذا بكثير ، ويبدو أن الأندلس لم تعرف مؤلفاته جيدا. وفى الوقت الدى ترجمت فيه إلى اللاتينية أكثرية المصنفات الكبرى للعلماء العرب بين القرنين الحادى عشر والثالث عشر ظلت مصنفات البيرونى غير معروفة لأوروبا (١٠٠). ويبدو أن الأقدار قد سخرت منه فتردد صدى شهرته فى مفهوم مناقض لسمعته وجد طريقه بشكل ما إلى اللغة الفرنسية. «فالأوسطى اليبيورون» Maitre Aliboron يقصد به كما يتضح من معجم الأكاديمية الفرنسية (١٠١) Dictionnaire de l\'Academie Francaise, ٨ éd., ١٣٩١ : «الإنسان أو الحيوان الموصوف بالجهل والفدامة ، والمضحك والحمار».
من هذا يتبين لنا أن العلم الأوروبى المعاصر هو الذى اكتشف حقا البيرونى فى القرن التاسع عشر ؛ بل إن المادة توفرت فى السنوات العشر الأخيرة فقط لتمكننا من تقديره تقديرا جديرا بمنزلته. وإذا كان روزن على أيامه قد استطاع أن يوفيه حقه ، فالآن يستطيع بدوره علامة شاب يعد من خيرة العارفين بمصنفاته وهو كراوسه Krause أن يقول عنه بحق : «هكذا يصف؟؟؟ البيرونى أمام أعيننا بحاثة لا يعرف الكلل وعلّامة وضع نصب عينيه أهدافا بعيدة المدى ، ولكنه فى نفس الوقت تطلب الكثير من الآخرين. وكان أمينا فى منهجه العلمى لا تأخذه فى الحقيقة لومة لائم إذا ما أبصر تلاعبا حولها أو ضربا من الإهمال. لقد كان عالما واسع الأفق ، وسعت معرفته العلوم الدقيقة لعصره ؛ وإن شوقه إلى البحث والتقصى يعود بالشرف لقومه وعصره ويقف قدوة لجميع العصور التالية».
وإذا كان البيرونى قد غمط الفارسية حقها فى أن ترتفع إلى مصاف لغة علمية فإن واقع الأحوال حتى
![تاريخ الأدب الجغرافي العربي [ ج ١ ] تاريخ الأدب الجغرافي العربي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3064_tarikh-aladab-aljografi-alarabi-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)