فى أنه قد حدث له أن لعب دور المنجم شأنه فى هذا شأن جميع فلكيى ذلك العصر والوسط. أما القول بأنه كان المنجم الرسمى لبلاط محمود العزنوى كما تصوره بعض المصادر المتأخرة فأمر مشكوك فيه ، ولكنه يظهر فى حالات معينة فى هذا الدور محاولا فيما يبدو أن يفسح المجال لغلبة العناصر العقلية كما فعل فى كتابه «التفهيم» (٨٥).
وبخلاف الفصل الذى مر ذكره فقد أفاد ياقوت على وجه العموم كثيرا من كتاب البيرونى هذا ؛ والخلاصة التى عملها فيدمان (٨٦) له تعطى فكرة ما عن مقدار ما يدين به ياقوت إليه ؛ كما أن أبا الفدا قد عرفه جيدا (٨٧). وثمة دليل على سعة انتشاره هو العدد الهائل من المخطوطات الذى وصلنا منه ؛ وإحدى هذه المخطوطات وهى ليست بأفضلها قام بنشرها بالزنكوغراف فى عام ١٩٣٤ رمزى رايت Ramsay Wright وزودها بترجمة إنجليزية مرافقة للمتن ، وهى تستند أساسا على الرواية الفارسية للكتاب. ولا تزال طبيعة العلاقة بين الروايتين العربية والفارسية غير واضحة تماما حتى الآن ، وظهر رأى يقول بأن كليهما بقلم أبى الريحان (٨٨) غير أن علمنا بموقفه من الفارسية يدفعنا إلى أخذ هذا الرأى بالكثير من الحذر.
و «كتاب التفهيم» على عكس مؤلفات البيرونى الأخرى لم يرفع إلى واحد من الحكام بل إلى سيدة من خوارزم تسمى ريحانة ابنة الحسين ، كانت على ما يلوح كثيرة الاهتمام بمسائل العلوم الدقيقة. ويمكن الافتراض بأنها كانت تنتمى إلى الأسرة الحاكمة بخوارزم وأنها قد رحلت إلى غزنة مع بقية أفراد أسرتها عندما أجلاهم محمود معه. أما القول اعتمادا على هذا بأن البيرونى كان موجودا وقت تأليف الكتاب بخوارزم فهو قول لا ينهض على أساس (٨٩). ومن ناحية الشكل نجد أن هذا الكتاب يختلف عن بقية مؤلفات البيرونى فهو معروض على هيئة أسئلة وإجابات ، وهو أمر كما يقول المؤلف «أحسن وللتصور أسهل» (٩٠). ولعل البيرونى لم يتنكب الصواب فى حكمه هذا لأن ذلك الكتاب بالذات يمثل موسوعة مبسطة لعدد من علوم عصره ونال انتشارا واسعا على ما يبدو من عدد المخطوطات الموجودة منه.
أما كتاب البيرونى الذى كسب له الصيت والمجد فى الدوائر العلمية الأوروبية ، وأعنى به كتاب «الهند» فهو ينتمى إلى طراز آخر من المؤلفات ويقف فريدا فى نوعه إلى يومنا هذا. ولا حاجة بنا إلى الكلام عنه بالتفصيل ، فمنذ أكثر من خمسين عاما قدم روزن عنه تحليلا قيما وكّدت قيمته على ممر نصف قرن من الزمان الاكتشافات التالية ولا يزال محتفظا بحيويته وجدته إلى أيامنا هذه. أما معرفة الدوائر العلمية به فندين بها إلى المستشرق زاخاو الذى ترجمه إلى الإنكليزية ونشر متنه العربى فى الثمانينيات من القرن الماضى اعتمادا على مخطوطة ترجع إلى عام ٥٥٤ ه ـ ١١٥٩ منقولة عن الأصل الذى كتبه المؤلف بخط يده.
ومن المستحيل اعتباره كتابا جغرافيا بالمعنى الضيق للفظ ؛ وهدف المؤلف الحقيقى يبدو فى العنوان الكامل للكتاب وهو «تحرير ماللهند من مقولة مقبولة فى العقل أو مرذولة» (٩١). فالمكانة الأولى عنده
![تاريخ الأدب الجغرافي العربي [ ج ١ ] تاريخ الأدب الجغرافي العربي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3064_tarikh-aladab-aljografi-alarabi-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)