إذن تحتلها الحضارة الروحية للهند ، وقليل من فصوله الثمانين يمس موضوعات جغرافية بحتة. فمقدمة الكتاب مثلا تعرض للهند عامة ، ويضم الفصل الثامن عشر ملاحظات متفرقة عن الأرض والأنهار والأوقيانوس المحيط وعن اتساع الأقطار المختلفة. وفى الفصل الخامس والعشرين يرد الحديث عن أنهار الهند ومنابعها. ويجب أن يضم إلى هذا بكل تأكيد المجموعة الهائلة من المعلومات الاثنوغرافية المتناثرة بالكتاب ، وكذلك الفصول الهامة التى يعالج فيها الكلام عن ديانة الهند وحياتها الفكرية (٩٢). وتتخذ أهمية استثنائية ظاهرة خاصة هى أنه إلى جانب المجموعة الضخمة من المادة الجغرافية التى يحتويها الكتاب بصفة عامة فهو يكشف عن معرفة عميقة بالتصورات الجغرافية والكوزمولوجية لدى الهنود (٩٣) وبالتالى يوضح لنا الكثير من المسائل المتعلقة بالتاريخ المبكر للعلوم والآداب الجغرافية العربية. أما طريقة العرض فتتشابه فى جميع الفصول ، فالمؤلف بيدأ بسوق ملاحظات عامة تعقبها مقتطفات موثوق بصحتها من المؤلفين الهنود ، ثم ينظر فى المسائل التى عالجوها ويقارنها بنظريات المسلمين واليونان والإيرانيين معلقا على هذا بملاحظاته الشخصية الفذة. أما ما يحفل به الكتاب من مادة علمية فهو شىء يقف نسيج وحده ولا يوجد له أى مثيل (٩٤).
وللبيرونى كتابان كبيران معروفان لنا يرجع تاريخهما إلى الأعوام العشرة الأخيرة من حياته ، إذ تم تأليفهما فى عهد السلطان مودود (٤٣٢ ه ـ ٤٤٠ ه ـ ١٠٤١ ـ ١٠٤٨) حفيد محمود الغزنوى الذى توفى فى عام واحد مع البيرونى. أحدهما هو مصنفه فى المعادن بعنوان «كتاب الجماهر فى معرفة الجواهر» الذى يبحث فى المعادن والفلزات خاصة الأحجار الكريمة حيث يفرد لما يقرب من الخمسين منها فصلا خاصا لكل واحد. وقد نشر الكتاب منذ عهد غير بعيد المستشرق كرنكوKrenkow بحيدرأباد (١٣٥٥ ه ـ ١٩٣٧) فى طبعة تمكن من إعطاء فكرة واضحة عن الكتاب ، كما أن عددا من المقالات والأبحاث قد بينت أهمية مادته لا من الناحية العلمية الخالصة فحسب بل ومن ناحية التاريخى الحضارى كذلك (٩٥). وقد جمع فيه البيرونى بين أبحاث قام بها على أساس تجربة طويلة الأمد ومعرفة جيدة بالأدب العلمى من جهة والأدب الفنى من جهة أخرى ؛ ولم يقتصر فى ذلك على الأدب العربى وحده. بل أفسح المجال لآداب اللغات الأخرى. ويمكن تكوين فكرة عن مصادره من الدراسة القيمة التى أفردها لذلك محمد يحيى الهاشمى ، فمن بين المصنفات الجغرافية الأصيلة أفاد بصورة خاصة من مصنفات المدرسة الكلاسيكية للجغرافيين العرب ومن الجيهانى كذلك. وكمية المادة الجغرافية فى هذا الكتاب كبيرة للغاية سواء كانت فى شكل ملاحظات قصيرة أو قصص مفصّلة ، غير أن استخراج هذه المادة يتطلب جهدا كبيرا لا يقل بحال من الجهد الذى تتطلبه المصنفات من هذا الصنف ، وذلك إما بمعاونة الفهرس أو بفحص الفصول المختلفة الخاصة بكل معدن أو فلز على حدة.
ومن هذا الطراز نفسه «كتاب الصيدنة فى الطب» ، وهو آخر مؤلفات البيرونى ، ولعله لم يتممه.
![تاريخ الأدب الجغرافي العربي [ ج ١ ] تاريخ الأدب الجغرافي العربي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3064_tarikh-aladab-aljografi-alarabi-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)