على الآثار السابقة المصلّحة كما يعتمد أيضا على أرصاد جديدة (٧٣). أما فيما يتعلق بشكله فهو تعداد ضخم للمدن كما هو الشأن عند الخوارزمى ، وهى موزعة فيه تبعا للأقاليم المختلفة مع تبيان الأطوال والعروض. وتتمثل طرافة الكتاب بشكل خاص فى أن الهند والبلدان الشرقية للعالم الإسلامى تنال فيه من العناية أكثر ما نالته فى المؤلفات السابقة له ؛ أما من ناحية الشكل الخارجى فإن العرض لا يختلف عما هو عليه الحال مع الجداول السابقة عليه ، فهو يعتمد فى تحقيق عدد من معطياته على المصادر القديمة الموثوق بها مثل بطلميوس والبتانى (٧٤). وهذا الكتاب بالذات هو الذى أفرد له المؤلفون المتأخرون مكان الصدارة من بين جميع مؤلفات البيرونى ، فالقفطى (٧٥) لا يذكر إلى جانبه مصنفا آخر ، وياقوت يقول عنه إنه «يعفى على أثر كل كتاب فى تنجيم أو حساب» (٧٦) ، كما أفاد منه كثيرا أبو الفدا بل إنه يدين له بالكثير من الفضل فى مصنفه الجغرافى على ما سوف نراه (٧٧).
وكتاب البيرونى المعروف باسم «التفهيم لأوائل صناعة التنجيم» والذى يرجع إلى ذلك العهد نفسه لا يتسق موضوعه مع اسمه تمام الاتساق ، فهو فى واقعه ليس بمقدمة تقتصر على التنجيم وحده كما يمكن أن يفهم من العنوان بل عبارة عن موسوعة كبرى تعرض بالتوالى لمسائل فنية ولمصطلحات الهندسة والحساب والفلك (وينضم إلى ذلك الجغرافيا وحساب الأوقات ووصف الأجهزة الفلكية) والتنجيم. وهو كتاب جديد فى نوعه يتميز بالاستقلال ، حفظ لنا فيه البيرونى قواعد المذهب القديم (٧٨). وفى القسم الثالث المفرد للفلك نلتقى بقطع عديدة فى الجغرافيا (٧٩) ؛ وقد مر بنا الكلام عن إحداها وهى التى تعالج موضوع توزيع البحار على الأرض. أما القطع الأخرى فتبحث فى كيفية ضبط العروض والأطوال ، وفى الأقاليم وخط الاستواء وارتفاع الشمس وقبة الأرض ، وفى المذاهب الأخرى فى تقسيم الأرض بخلاف الأقاليم (٨٠) ؛ وجميع هذه القطع تقريبا معروفة فى الترجمة الألمانية لفيدمان (٨١). وإلى جانب الفصول الأخرى فى الجغرافيا توجد قطعة بعنوان «ما يوجد من البلاد فى كل إقليم» (٨٢) ، وهى تختلف اختلافا كبيرا عن الجداول الفلكية المعروفة للفرغانى بالرغم من أن حدود الأقاليم عند الاثنين لا تتفاوت كثيرا (٨٣). ويمتاز بالطرافة على وجه الخصوص القسم عن البحار الذى مر بنا ، وتصحبه فى جميع المخطوطات المعروفة خارطة مستديرة تبين توزيعها (٨٤) ، وهو نفس الرسم الذى نقله عنه ياقوت.
وهكذا نجد أن هذا المصنف على نقيض تسميته الضيقة لا يمكن بأية حال اعتباره مقدمة فى التنجيم ، فهو فى أبسط مدلولاته عبارة عن محاولة لإبراز تلك العناصر العقلية (Rationalistic) التى يرتبط بها التنجيم. وهو إلى جانب بعض الرسائل الصغرى للبيرونى قد دفع أكثر من مرة إلى التساؤل عما إذا كان البيرونى نفسه يعتقد فى التنجيم أو أنه كان منجما كما تصوره فى أغلب الأحيان الأسطورة المتأخرة ؛ إن الإجابة على هذا التساؤل يجب أن تكون بالنفى ، فقد حفظ لنا عدد من القصص والإشارات المختلفة وكلها توكد أنه كان يقف من التنجيم موقف المستربب بل والمتهكم أحيانا. بيد أنه ليس هناك أدنى شك
![تاريخ الأدب الجغرافي العربي [ ج ١ ] تاريخ الأدب الجغرافي العربي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3064_tarikh-aladab-aljografi-alarabi-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)