أما المصنف الثانى من الناحية الزمنية فيرتبط بمسائل الجغرافيا الفلكية وذلك بالمعنى الضيق لهذا المصطلح ، وهو كتابه «تحديد نهاية الأماكن لتصحيح مسافات المساكن» المحفوظ حتى الآن فى مخطوطة فريدة باستنبول بخط يد المؤلف فيما يبدو وترجع إلى عام ٤١٦ ه ـ ١٠٢٥ (٦٢). وفى المقدمة النظرية لهذا الكتاب يدور الكلام حول تحديد العروض الجغرافية والاختلاف فى تحديد أطوال المواضع والتطبيق العملى للمناهج السائدة (٦٣). ويبدى البيرونى ملاحظته عن أن العرب قد اتبعوا ثلاثة مذاهب فى تحديد المسافات ، فهم إما أن يكونوا قد أخذوا حسابات بطلميوس كما هى ، أو أجروا أرصادهم الخاصة وفقا لمذهبه ، أو استقوا مادتهم فى آخر الأمر من أسفار الرحالة وسير البريد. وقد اتبع البيرونى فى نشاطه العلمى المذاهب الثلاثة ، مستعملا ملاحظاته الشخصية فيما يتعلق بمنطقة شرقى إيران (٦٤). ولما كان من شأنه أن يبين دائما التواريخ التى دون فيها هذه الملاحظات فإنه من الممكن تتبع تحركاته من الوجهة الزمنية بالكثير من الدقة (٦٥).
وللبيرونى فى كتابه هذا استطراد لطيف يوضح فيه بالكثير من الحق والصواب الوضع الأفضل الذى تمتع به جغرافيو العرب بالنسبة للمؤلفين اليونانيين فيما يتعلق باتساع رقعة أفقهم الجغرافى نتيجة لاتساع نطاق الحضارة الإسلامية كما يقول «غربا إلى الأندلس وشرقا إلى حدود الصين وأواسط الهند وجنوبا إلى الحبش وبلاد الزنج وشمالا إلى مساكن الترك والصقالبة» (٦٦). وتتركز أهمية الكتاب كما هو الحال دائما فى مواضع معينة من العسير الحكم عليها إلا من خلال نقاط مبعثرة ؛ ويرجع السبب فى ذلك إلى عدم وجود طبعة للكتاب. وتمتاز بقيمة كبيرة آراؤه فى هذا الكتاب عن جيولوجيا خوارزم القديمة ، وهى آراء تكشف عن الكثير من سعة الأفق وعن جرأة فكرية نادرة (٦٧). وفى القرن الخامس عشر نجد أن المقريزى يستشهد بكتاب البيرونى هذا عند كلامه عن محاولات القدماء لحفر قناة بين البحرين الأحمر والأبيض المتوسط (٦٨).
ومن بين مصنفات البيرونى الكبرى المعروفة لنا نعرف معرفة أجود ثلاثة منها ترجع بالتقريب إلى وقت واحد هو حوالى عام ٤٢١ ه ـ ١٠٣٠ ، أى عام وفاة محمود الغزنوى. أما أبعدها صيتا فهو «القانون المسعودى فى الهيئة والنجوم» الذى رفعه إلى خليفة محمود ؛ وعليه بالذات تعتمد شهرته فى المشرق (٦٩). وهو لم يطبع إلا فى الآونة الأخيرة وذلك بفضل عناية المستشرق الألمانى كراوزه Krause (٧٠) غير أن العلماء رجعوا إليه دائما بحيث أمكن تكوين فكرة عن الكتاب من خلال القطع المختلفة التى نقلوها عنه. وقد ترجم فيدمان (٧١) فصلين منه هما التاسع وهو فى وصف سكان الأرض وحدود الأقاليم وفقا للأطوال والعروض ، والعاشر وهو الذى يبين لنا جداول أطوال وعروض المواضع المختلفة. وكان كتاب «المجسطى» النموذج الذى سار على هديه «القانون» ؛ فهو يقدم لنا فى اثنى عشر بابا موجزا لعلم الفلك كله مع حساب التوقيت وحساب المثلثات والرياضة والجغرافيا والتنجيم (٧٢) ؛ وهو يستند
![تاريخ الأدب الجغرافي العربي [ ج ١ ] تاريخ الأدب الجغرافي العربي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3064_tarikh-aladab-aljografi-alarabi-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)