منها فى الشرايين والأوردة ، وإن كانت كل أمة تستحلى لغتها التى ألفتها واعتادتها واستعملتها فى مآربها مع ألّافها وأشكالها. وأقيس هذا بنفسى وهى مطبوعة على لغة لو خلّد بها علم (٥٥) لاستغرب استغراب البعير الميزاب والزرافة فى العراب (٥٦) ثم متنقلة إلى العربية والفارسية فأنا فى كل واحدة دخل ولها متكلف والهجو بالعربية أحبّ إلىّ من المدح بالفارسية (٥٧). وسيعرف مصداق قولى من تأمل كتاب علم قد نقل إلى الفارسى كيف ذهب رونقه وكسف باله واسود وجهه وزال الانتفاع به إذ لا تصلح هذه اللغة إلا للأخبار الكسروية والأسمار الليلية» (٥٨).
وهكذا فلم يمنع الشعور القومى الإيرانى البيرونى من تفضيل اللغة العربية على الفارسية ؛ وهو وإن أبدى فى ذلك بعض المبالغة إلا أنه بقى مخلصا لهذا الرأى طول حياته.
وقد دون البيرونى مصنفاته بكل تأكيد بالعربية التى كان بلا شك يمتلك ناصيتها ، سواء فى الأسلوب العلمى الصارم فى مجال الرياضة والفلسفة أو فى الأسلوب القصصى البسيط الذى يحفل به خاصة أحد مصنفاته الأخيرة وهو كتابه فى «الجواهر». ورغما من هذا فإن العربية لم تكن لغته الأصلية ، ولعل هذا من الأسباب التى أكسبته أسلوبا خاصا لا يمكن بأية حال اعتباره سلسا. وفى مؤلفاته للخاصة يبدو ميله إلى الإيجاز الشديد ؛ وهو نفسه يعترف بأنه لا يكتب من أجل المبتدئين ، ولكنه حتى فى العرض القصصى العادى يجنح من وقت لآخر إلى الخروج عن المألوف المستعمل بل ويضحى أسلوبه عسرا وعرا يحتاج فهمه إلى إعمال الجهد. وقد تؤدى دراسة أسلوبه الكتابى إلى نتائج طريفة لو تفرغ لذلك أحد العلماء (٥٩). وبالرغم من اعترافه بأفضلية اللغة العربية على غيرها من اللغات فإن هذا الحكم لم يخف عليه مناقصها ، فهو يقف موقفا سلبيا تاما من رسمها ، ففى كتابه «الصيدنة» يقول (١) :
«ولكن للكتابة العربية آفة عظيمة هى تشابه الحروف المزدوجة فيها واضطرارها فى التمايز إلى نقط العجم وعلامات الإعراب التى إذا تركت استبهم المفهوم منها. فإذا انضاف إليه إغفال المعارضة وإهمال التصحيح بالمقابلة ، وذلك من الفعل عام قومنا ، تساوى به وجود الكتاب وعدمه بل علم ما فيه وجهله. ولو لا هذه الآفة لكفى نقل ما فى كتب ديسقوريدس وجالينوس وبولس وأوريياسيوس المنقولة إلى العربى من الأسامى اليونانية ، إلا أننا لا نثق بها ولا نأمن التغايير فى نسخها» (٦٠).
وعواطف البيرونى نحو الشيعة التى تنعكس فى كتابه «الآثار البافية» قد اختفت بمرور الزمان ؛ ومن المحتمل أن يكون قد اضطر إلى خنق هذه العواطف فيما بعد أثناء إقامته فى الوسط السنى المتطرف لبلاط محمود الغزنوى. غير أن منهجه فى التفكير يدل على أن مثل هذه المسائل لم تمسه كثيرا وأن بعض الميول التى عرفها أيام شبابه قد حل محلها عدم الاكتراث بها (٦١).
__________________
(*) هذه الفقرة والسابقة لها نقلتهما عن مخطوطة دار الكتب المصرية رقم ل ٣٠١٤ وكانت ملكا لميرهوف (ص ١٥ ، ص ١٧). (المترجم)
![تاريخ الأدب الجغرافي العربي [ ج ١ ] تاريخ الأدب الجغرافي العربي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3064_tarikh-aladab-aljografi-alarabi-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)