وقارئا (١٤٥) له. وقد أبدى ياقوت الذى كثيرا ما ينقل عن كتابه (١٤٦) ترددا واضحا فيما يتعلق باسم المؤلف (١٤٧) ، أما ابن خلكان فإنه لم يستطع رغم بحثه وتقصيه أن يثبت أصل النسبة ، وافترض فى آخر الأمر أنها ديلمية الأصل (١٤٨) (١). كذلك يحيط شك كبير بتاريخ وفاته وهل كان ذلك فى عام ٣٨٨ ه ـ ٩٨٨ أم عام ٣٩٩ ه ـ ١٠٠٨ (١٤٩).
ولعل طبيعة وظيفته كقاص للبلاط هى التى حفزته لوضع مصنفه «كتاب الديارات» (١٥٠) ، ووفقا لفكرته الأساسية فقد كان من المفروض أن يشمل الكتاب جميع أديرة العراق والجزيرة والشام ومصر إلا أن المخطوطة البرلينية لم تحفظ لنا عن أديرة العراق إلا قسما ضئيلا ، بينما تفتقد أديرة الشام بالكلية (١٥١). ونصيب مصر أقل بكثير من نصيب الجزيرة ، غير أن القسم الخاص بها كما هو واضح من بحث العلامة القبطى عزيز سوريال عطية (١٥٢) يحوى مادة قيمة. وكما هو الشأن مع المصنفات السابقة فإن مركز الثقل فى الكتاب لا يقوم على الوصف الجغرافى لتوزيع الأديرة وإن لقى بعض الاهتمام ، بقدر ما يقوم على القصائد الطويلة والحكايات المتعلقة بها. وهذه بالطبع لها قيمتها الذاتية وقد جمعها زاخاوZachau فى كتيب خاص ويمكن للجغرافى أن يستقى منها معلومات غير قليلة.
ومن الثابت أن كتب الديارات لم تكن النمط الوحيد فى ذلك العصر الذى يقدم لنا معطيات جغرافية ؛ إذ يمكن استخراجها بصورة أيسر من المجموعات التاريخية الأدبية التى ذخر بها ذلك العصر أيضا. ويجب أن نولى اعتبارا خاصا فى هذا الصدد لثلاث مصنفات لأبى على المحسّن التنوخى (توفى عام ٣٨٤ ه ـ ٩٩٤) (١٥٣) الذى تزايد الاهتمام بشخصه فى الآونة الأخيرة عند المؤرخين بسبب طبع قسم من أحد مصنفاته الأدبية منذ عهد غير بعيد (١٥٤). ففى مصنفاته هذه تنعكس قصة حياته المضطربة التى قذفت به من البصرة إلى بغداد إلى الأهواز تارة فى منصب قاض وأخرى مدرسا وثالثة أديبا مفلسا ؛ ويبدو فيها مجهوده لابتكار القصص الجديدة وقوة ملاحظته واتباعه لمنهج أصيل فى معالجة كل ما يقع تحت ناظريه. وسأقتصر على إيراد مثال واحد طريف يهمنا من وجهة نظر الأدب الجغرافى.
ففى أكثر مجموعاته الأدبية شهرة وهو «كتاب الفرج بعد الشدة» الذى طبع فى القاهرة منذ وقت طويل أفرد الفصل السابع (١٥٥) للقصص المختلفة من عالم الحيوان ، كالفيلة (١٥٦) والأسود (١٥٧) والقردة (١٥٨) وكثير غيرها. وإذا اعتبر بعضها مجرد حكايات للتسلية فحسب فإن البعض الآخر يتميز بالكثير من الحيوية والتفصيل بحيث يقدم للمتخصصين فى الجغرافيا الحيوانية (Zoological Geograply) مادة لاستقراءات علمية ذات أهمية. وفى كتاب التنوخى تنعكس تلك المصادر التى خلقت نمط «القصص البحرية» المعروف لنا ؛ وهكذا يقترن فى مصنفاته الأدب التاريخى بالأدبين الفنى والجغرافى.
__________________
(*) عن توضيح أصل اسم الشابشتى راجع ما جمعه الأستاذ كوركيس عواد فى مقدمة طبعته لكتاب الديارات. (المترجم)
![تاريخ الأدب الجغرافي العربي [ ج ١ ] تاريخ الأدب الجغرافي العربي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3064_tarikh-aladab-aljografi-alarabi-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)