تتفاوت من حيث الحجم والأهمية. فالفصل الأول على هيئة مقدمة تعالج مناهج المعرفة وحدودها ، والفصلان الثانى والثالث أفردا للالهيات (Theodosy) ، أما الفصل الرابع فلنظرية النبوة والخامس لبداية الخليقة والسادس للاهوت والسابع فى صفة السماء والأرض كما ورد فى الأديان ، ثم الثامن فى ظهور الإنسان على الأرض وانتشاره بها والتاسع فى الأخرويات (Eschatology). ثم يعقب ذلك القسم التاريخى الذى يبدأ بتاريخ الأنبياء والرسل (الفصل العاشر) يليه تاريخ الفرس (الفصل الحادى عشر) فالأديان المختلفة (الفصل الثانى عشر). وينتقل إلى التاريخ العربى بعد الفصل الثالث عشر وهو الفصل الذى يتكلم فيه عن الجغرافيا ، ويلى ذلك تاريخ العرب الأقدمين مع ذكر أنسابهم (الفصل الرابع عشر) فتاريخ محمد (الفصول ١٥ ـ ١٧) وصحابته (الفصل الثامن عشر) وتطور التعاليم الإسلامية (الفصل التاسع عشر) وتاريخ الخلافة إلى عام ٣٥٠ ه ـ ٩٦١ ، أى فى خلافة المطيع العباسى (الفصول ٢٠ ـ ٢٢).
وجميع هذه المادة الضخمة قد عرضت بلا تنسيق مما حدا بأحد العلماء المعاصرين أن يصف الكتاب ، خلافا لرأى حاجى خليفة ، بأنه (٤٤) : «مجموعة مختلطة من المعلومات فى اللاهوت وتاريخ الأديان والتاريخ العام». والقول بأن هذه المعلومات وفيرة ومتنوعة لا يمكن إنكاره بأية حال ، فمطهر بن طاهر المقدسى كان بحق جامعا أكثر منه شيئا آخر ولكنه لم يكتف بالمصادر المكتوبة بل أخذ عن عدد من الرواة الذين عرف كيف يتخيرهم ، فقد كانت له صلات باليهود وبالمجوس الإيرانيين بل وحتى بالهنود ؛ ويلاحظ أنه كان على معرفة جيدة بالحساب الزمنى للهنود الذى مر بنا القول عليه عند الكلام على بداية الجغرافيا الرياضية. وهو يعدد عمر العالم لدى الهنود بأربعة مليارات وثلاثمائة وعشرين مليونا من السنين وذلك بالأرقام الدونغارية Dvengaari)) (٤٥). وهذا المثال يقف شاهدا على أن اهتمام المؤلف بالجغرافيا إنما يتجه بالذات نحو الرياضة والفلك ، غير أن القسم المكرس للجغرافيا نفسها (٤٦) يهدف شيئا أوسع من ذلك بكثير ، ويمكن الاستدلال على هذا من عنوان الفصل الثالث عشر وهو «فى صفة الأرض ومبلغ عمرانها وعدد أقاليمها وصفة البحار والأنهار وعجائب الأرض والخلق». وفى الواقع نراه يبدأ العرض بتلك الأقسام المعروفة لنا من جغرافيى المدرسة اليونانية ، أعنى وصف الأقاليم السبعة (٤٧) والبحار (٤٨) والأنهار (٤٩) والأقطار المعروفة (٥٠). ويظهر جليا فى وصفه لبلاد الإسلام (٥١) تأثير المدرسة الكلاسيكية للجغرافيين العرب ؛ وتلى ذلك أقسام ذات مادة مختلطة فى وصف المساجد المشهورة (٥٢) ووصف الطريق من العراق إلى مكة (٥٣) ووصف الثغور الإسلامية والرباطات (٥٤) وعجائب الأرض (٥٥) وغرائب الناس (٥٦) وبناة بعض المدن (٥٧) وأسباب هلاكهم (٥٨). لكل هذا فإن مصادر «كتاب البدء والتاريخ» جدّ متنوعة ، ويبدو هذا جليا الآن بعد أن تعرفنا على الأدب الجغرافى العربى ؛ ولعل ارتباطه الوثيق بالمدرسة الكلاسيكية ينعكس فى اهتمامه الزائد بإيران ، أو «إيرانشهر» كما يدعوها ؛ وقد حدث هذا مرتان
![تاريخ الأدب الجغرافي العربي [ ج ١ ] تاريخ الأدب الجغرافي العربي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3064_tarikh-aladab-aljografi-alarabi-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)