قد أفاد من وصفه للبحار (٣٢) ، وهو أشبه بوصف البتانى الذى مر بنا ذكره فيما تقدم من هذا الكتاب. من كل هذا يمكن الخروج بنتيجة مؤداها أن كتاب الجيهانى رغما عن النقد الذى وجهه إليه المقدسى يستحق اهتماما كبيرا وأن العثور عليه سيكون من شأنه إلقاء الضوء على مسائل عديدة من ميدان الأدب الجغرافى العربى للقرن العاشر.
ويرتبط بكتاب الجيهانى إلى حد ما مصنف بارز يرجع إلى الربع الأخير من القرن العاشر وتم تأليفه فى المنطقة الواقعة حاليا فى شمال شرقى أفغانستان ، ذلك هو الكتاب الفارسى المجهول المؤلف «حدود العالم من المشرق إلى المغرب» (٣٣). وبالرغم من أنه مكتوب بالفارسية إلا أنه يجدر بنا الوقوف عنده لا لأنه وجد زعم يقول بأنه ترجم عن العربية فى الأصل (٣٤) بل أيضا لارتباطه الوثيق بالتراث العربى بحيث لا يكتمل الوصف العام للأدب الجغرافى بدونه.
والمخطوطة الوحيدة المعروفة لنا لهذا الأثر كشف عنها المستشرق الروسى طومانسكى Tumanski فى عام ١٨٩٢ ومن ثم فقد نسبت إليه فى الدوائر العملية فأصبحت تعرف باسم «مخطوطة تومانسكى المجهولة المؤلف» L\'Anonyme de Tumanski. وبعد أبحاث كثيرة حول المصنف ظهرت طبعة مصورة له (Faeslmile) قام بنشرها بارتولد فى عام ١٩٣٠ ، ثم تلى ذلك ظهور ترجمة إنجليزية علمية تصحبها تعليقات وافية بقلم مينورسكى فى عام ١٩٣٧. ويمكن القول بلا تردد أنه لا يوجد مصنف جغرافى من العصر الكلاسيكى ظفر بترجمة مثل هذه جعلت منه بحق كنزا فى متناول أيدى الجميع (٣٥). ورغما عن هذا فلا يزال الكتاب إلى الآن مجهول المؤلف ، ولكن ثبت بالتحديد أنه ألف حوالى عام ٣٧٢ ه ـ ٩٨٢ لأمير ناحية كزكان أو كزكانان (جزجان فى شكلها العربى) من أسرة صغيرة حاكمة هى آل فريغون. والمؤلف فيما يبدو كان عالما نقليا لم يعرف التجوال أو الترحال ؛ وهو لا يميل إلى ذكر مصادره ولكنه يشير مرة أو مرتين إلى كتاب أرسطوطاليس فى «الآثار العلوية» Meteorology ويذكر أيضا بطلميوس (٣٦) الذى استعمله بالطبع فى ترجمة عربية. وصلته بالأخير أمر لا يرقى إليه الشك فإن أسلوبه فى توزيع البلاد بطلميوسى صرف ولكنه يهمل الأطوال والعروض ، ولو أن هذا لم يمنعه أحيانا من الاحتفاظ ببعض الأصالة كوصفه للبحار السبعة. ولم يقف إغفاله ذكر المراجع حائلا دون التعرف على مصادره مع البحث العميق والتقصى ؛ ويرى بارتولد أن مصدره الأساسى هو الجيهانى وأنه أفاد بنفس القدر من مصنفات جغرافيى المدرسة الكلاسيكية خاصة من المسودات المختلفة لكتاب الإصطخرى. كما يمكن أن نذكر ابن خرداذبه كمصدر من مصادره الأساسية عن الأقطار الواقعة خارج العالم الإسلامى ؛ ويقينا أنه اعتمد فى ذلك على نسخة كاملة منه لم تصل إلينا. وبالطبع كان تحت تصرف المؤلف آثار المؤلفين السابقين التى تنعكس فى أقسام مختلفة من كتابه ولكنها لم تلعب دورا جوهريا ، ولا يزال الأمر يحتاج إلى دراسة دقيقة مهد لها السبيل إلى حد كبير العلامة مينورسكى.
![تاريخ الأدب الجغرافي العربي [ ج ١ ] تاريخ الأدب الجغرافي العربي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3064_tarikh-aladab-aljografi-alarabi-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)