له (٢٠) وينقل عنه رواية واحدة ذات طابع غريب تتعلق بمشابهة أرض الصغد لصورة الإنسان (٢١) (١) ولعل هذا يفسر من ناحية أخرى السبب فى أن ياقوت لم يفرد له فى معجم الأدباء سوى ملاحظة تافهة (٢٢) مليئة بالحكايات عن ضروب من تصرفاته الغريبة ويسوق بيتا لأحد الشعراء فى ذلك. ويلوح أن المعرفة المباشرة بكتاب الجيهانى قد انقطعت مبكرا وأن معرفة المؤلفين المتأخرين به جاءت فيما يغلب على الظن عن طريق السماع ، فحاجى خليفة عندما يتحدث عنه لا يزيد عن تكرار ألفاظ المقدسى (٢٣).
وليس أمامنا فى هذه الحال سوى طريقة واحدة لتكوين فكرة واقعية عن مضمون الكتاب وهى دراسة المادة التى حفظها لنا منه المؤلفون الذين نقلوا مادته. وطالما صحب هذه المادة ذكر اسمه فإنه يمكن الاعتماد على هذه الطريقة بالكثير من الثقة ؛ أما الاستنتاجات المبنية على مادة مجهولة المؤلف من شأنها أن تقود إلى بعض التزيد كما رأينا من مثال مسلمة الجرمى. ولعل مصير الجيهانى يكاد يكون شبيها لهذا فقد نسبت إليه فى العادة تلك المعلومات الحافلة عن أوروبا الشرقية التى لم يعرف مصدرها بالضبط ، وهى التى استقى منها ابن رسته والبكرى والمؤلفون الفرس مثل صاحب كتاب «حدود العالم» وكرديزى وعوفى. وفى حالات معينة لا يوجد مجال كبير للشك فى نسبة بعضها إليه غير أنه ، كما ينصح بارتولد ، يجب إعمال الحذر فى أمثال هذه المواضع (٢٤). وإذا كان كتاب الجيهانى مصدرا أساسيا عن الأقطار الغربية بالنسبة للمؤلفين الشرقيين فهو أيضا قد جمع مادة وفيرة عن المشرق. وقد رأينا كيف اعترف المقدسى بأنه كان نشيطا فى جمع المعلومات عن الأقطار المجاورة لخراسان خاصة وادى السند والهند عامة (٢٥) ؛ وهذه المادة الأخيرة بعينها هى التى تكاد تكون المصدر الوحيد ، أو على الأقل الأساسى ، للادريسى عن تلك البلاد. وليس أقل قيمة من ذلك ما أورده عن القبائل التركية وعن الشرق الأقصى (٢٦) ؛ وقد أثبت بارتولد أنه من الممكن أن يرتفع إليه واحد من أهم أوصاف الطرق التى تربط بين تركستان وعاصمة الصين (٢٧).
ومما يثبت أن حكم المقدسى لا يخلو من الإحجاف شهادة مؤلف ذى مكانة كالبيرونى الذى لم يأنف من الرجوع إلى الجيهانى أو الاستشهاد به (٢٨) ؛ وفى أمثال هذه الحالات يتوكد ميل الجيهانى إلى طراز العجائب والغرائب. وأطرف من هذا معرفته الواسعة بالديانة المسيحية ، فالبيرونى فى كتابه «الآثار الباقية» ينقل عنه قصة معجزة حدثت بإحدى الكنائس القبطية بمصر ذكّرته بمعجزة «النار المباركة» بيت المقدس (٢٩) ؛ وفى كتابه «الجماهر فى معرفة الجواهر» يروى عنه قصة تتعلق بكنيسة اسطفانوس رئيس الشهداء برومة التى كان يوجد بها مذبح ثمين (٣٠). ويقف دليلا على صلة الجيهانى بالجغرافيا الرياضية أن أحد ممثلى المدرسة الرياضية فى القرن الثانى عشر وهو الخرقى (توفى عام ٥٣٣ ه ـ ١١٣٨) (٣١)
__________________
(*) رأينا تحاشيا للغموض أن نورد نص ياقوت بحذافيره. قال : «وقال الجيهانى فى كتابه الصغد كصورة إنسان رأسه بنجكث ورجلاه كشانية وظهره وفر وبطنه كبوكت ويداه ما يمرغ وبزماخر». (المترجم)
![تاريخ الأدب الجغرافي العربي [ ج ١ ] تاريخ الأدب الجغرافي العربي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3064_tarikh-aladab-aljografi-alarabi-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)