هذا الفن فى جمع شتات المعلومات عن العالم التى لم تجد طريقها إلى أدب الحديث أو الأدب الجغرافى فكانت بذلك فى حاجة إلى تنظيم أكثر وإلى صياغة علمية. ومن أسماء بعض المصنفات الأخرى للجيهانى (٧) التى أوردها صاحب «الفهرست» يتضح أنه كان على معرفة بالأدب الإيرانى كالذى ينعكس عند ابن المقفع والجاحظ ، وذلك نتيجة لاتصاله بآل سامان.
ومما يؤسف له أننا لا نستطيع أن نصدر حكما مرضيا على تفاصيل ثابتة من كتاب الجيهانى كما حدث عند الكلام على الكتاب نفسه بوجه عام ، إذ أنه لم يعثر له على أثر إلى الآن. وقد ثبت أن ما تردد منذ نيف وعشرة أعوام فى ثنايا مقال خاص (٨) عن الكشف عنه بمدينة مشهد إنما يستند على محض لبس (٩). واسم الكتاب فيما يبدو كان ، وفقا للعرف السائد ، هو «كتاب المسالك والممالك» ولو أنه يظهر أحيانا عنوان أكثر تعقيدا هو «كتاب المسالك فى معرفة الممالك» (١٠).
وليس من المستطاع إثبات تاريخ تأليف هذا الكتاب الذى كثرت حوله الآراء والمعلومات الخاطئة إلا بصورة تقريبية. ويفترض بروكلمان Brockelmann (١١) ، ويظاهره فى هنا هيرHeer (١٢) وسارطون Sarton (١٣) ، أن الكتاب قد تم تأليفه بين عامى ٢٧٩ ه ـ ٨٩٢ و ٢٩٥ ه ـ ٩٠٧. ولكن يضعف من هذا الرأى اعتبارات زمنية ، منها التقاؤه بجغرافيين ورحالة آخرين ، وأنه قد استوزر لأمير سامانى صغير السن هو نصر الثانى بن أحمد (٣٠١ ه ـ ٣٣١ ه ـ ٩١٤ ـ ٩٤٣) فى أوائل سنى حكمه (١٤). ويدلل بارتولد استنادا على رواية كرديزى أن الجيهانى قد وضع مؤلفه فى ذلك الحين ، ومن ثم فهو يميل إلى الافتراض بأن ذلك قد تم قبل عام ٣١٠ ه ـ ٩٢٢ (١٥). وتاريخ وفاة الجيهانى غير معروف لنا ؛ أما قول جرجاس Girgas (١٦) بأنه قد توفى عام ٩٥٦ فهو سهو واضح.
فإذا ما اعتبرنا أن الكتاب قد تم تأليفه قريبا من عام ٣١٠ ه ـ ٩٢٢ فيجب أن نطرح جانبا بعض المزاعم القائلة بعلاقة الجيهانى بجغرافيى الجيل المعاصر له. ويرى بروكلمان (١٧) أن الجيهانى قد اعتمد فى وضع كتابه على كتاب الخراج لقدامة بن جعفر وهو زعم لا تدحضه اعتبارات زمنية فحسب ، لأن قدامة كتب بعد الجيهانى أو على الأقل فى وقت واحد معه ، بل أيضا ما نعرفه عن مصنف الأخير.
ويجب أن نأخذ بعين الحذر والارتياب قول صاحب «الفهرست» أن ابن الفقيه قد «سلخ» كتاب الجيهانى (١٨). حقا أن الطابع النقلى لكتاب ابن الفقيه ليس فى الوسع إنكاره ولكن كتابه يرجع تأليفه إلى ما قبل عام ٢٩٠ ه ـ ٩٠٢ ، أى قبل أن يخرج كتاب الجيهانى إلى عالم الوجود.
وليس هناك شك فى وجود صلة الرحم بين جميع هذه المصنفات فى شكلها ومضمونها ، ولعل هذا من الأسباب التى دفعت صاحب «الفهرست» إلى افتراض فرضه هذا ، وذلك إلى جانب فروض أخرى قام بتحليلها دى خويه تحليلا عميقا (١٩).
ويقف ياقوت فيما يبدو من كتاب الجيهانى موقفا يسوده التحفظ ، فهو يذكره من بين السابقبن
![تاريخ الأدب الجغرافي العربي [ ج ١ ] تاريخ الأدب الجغرافي العربي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3064_tarikh-aladab-aljografi-alarabi-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)