(قالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْراً) نحاسا مذابا يتخلل الحديد النار ويقويه أقوى من خالص الحديد ، قطر على حديد ونار على نار.
وهذا الخلط كان من الأسباب القوية لتحكيم الردم ، وقد استخدمت هذه الطريقة حديثا في تقوية كلّ من النحاس والحديد فكل بمفرده أضعف من هكذا خلط يجعلهما كالفولاذ!
كما وان ذلك النفخ وزبر الحديد ومذاب النحاس بعيد عن قوم (لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلاً) حيث البداءة والسذاجة في أبسط مراحلها جعلت منهم بلها لا يعرفون شيئا ، فكيف لهم بإتيان زبر الحديد ، والنفخ فيه لحد جعله نارا والنحاس المذاب ، فلم يكن لهم شغل في هذه الثلاث الّا إتيان زبر الحديد «آتوني ...» دون استخراجها من معدنها ، او نفخ فيها دون المنفخ (قالَ انْفُخُوا) ثم إيتاء (آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْراً) حيث إفراغ القطر من فعله دونهم ، وإنما هم عمّال في هذه الثلاث : إيتاء ونفخ وإيتاء ، وأما تحصيل زبر الحديد والمنفخ والنحاس وإذابته فكل ذلك مما آتاه الله من كل شيء سببا!
فهناك معدن للحديد دلّهم ذو القرنين على استخراجه ، ومنفخ دل على اصطناعه إمّا ذا ، ومعدن للقطر ثم مذيب ، كل ذلك بأسباب خارقة إلهية وهم عمّال يؤمرون لا مصطنعون ومخترعون!
(فَمَا اسْطاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطاعُوا لَهُ نَقْباً)(٩٧) فقد صدهم هذا السدّ ، إذ حاولوا أن يظهروه فما اسطاعوا ، وحاولوا له نقبا لينفذوه فما استطاعوا ، فاستراح هؤلاء المستضعفون عن إفسادهم وكأنهم سألوه من اين هذه الكرامات الخارقة ف :
(قالَ هذا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي فَإِذا جاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَكانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا)(٩٨)
![الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن والسنّة [ ج ١٨ ] الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن والسنّة](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3039_alfurqan-fi-tafsir-alquran-18%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
