ذلك الملك العدل الرؤف يحتاج الأرض مشارقها ومغاربها ممكنّا متمكّنا ميسرا له من كل الأسباب ، ولا تأخذه العزة بالإثم والكبرياء بالخيلاء ، ولا يطغى تبطرا ، ولا يبغي من القدرة مغنما ، ولا يستغل السلطة استعبادا ، وإنما ينشر عدلا ورحمة ، ويأتي بخارقة تلو الأخرى ، وعند انتهاء هذه الحلقة (قالَ هذا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي) يسند كل ما أتى به الى رحمة ربه دون سناد إلى نفسه إلّا كواسطة في هذه وتلك الخارقة.
ولكيلا يخلد الى خلد خلود ردمه الفولاذي يدكّه بوعد ربه : (فَإِذا جاءَ وَعْدُ رَبِّي)
تدميرا بعد تعميره (جَعَلَهُ دَكَّاءَ) : ليّنة سهلة ، بعد ما كانت فولاذية مرتفعة صلبة (وَكانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا) في دكّها.
ترى وما هو ذلك الوعد؟ هل هو الوعد العام بدكداك الأرض وما عليها وبضمنها ذلك الردم : (إِذا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا) ، (وَبُسَّتِ الْجِبالُ بَسًّا)؟
(وَتَرَكْنا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَجَمَعْناهُمْ جَمْعاً (٩٩) وَعَرَضْنا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِلْكافِرِينَ عَرْضاً)(١٠٠)
تدلنا على تماوج الأحياء بعد دكداك الردّم ، ثم بعدهما نفخ الصور وجمع الجمع! ثم وآية الأنبياء قد تناصرها أن وعد الدكداك هذا قبل القيامة الكبرى : (وَحَرامٌ عَلى قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها أَنَّهُمْ لا يَرْجِعُونَ ، حَتَّى إِذا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ. وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ فَإِذا هِيَ شاخِصَةٌ أَبْصارُ الَّذِينَ كَفَرُوا يا وَيْلَنا قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَةٍ مِنْ هذا بَلْ كُنَّا ظالِمِينَ) (٢١ : ٩٧).
ففتح يأجوج ومأجوج بدكّ الردم ، والدك الفتح هما في الآيتين قبل جمع الجمع ، فهناك (وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَجَمَعْناهُمْ جَمْعاً) وهنا أدل منها واقرب (وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ) فجمع الجمع والوعد الحق هما بعد وعد الرب ودكّ الردم.
![الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن والسنّة [ ج ١٨ ] الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن والسنّة](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3039_alfurqan-fi-tafsir-alquran-18%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
