لم يكن هنالك طريقة أخرى لصدهم عن الإفساد إلّا بسدهم ردما ، فهل يقتل او يعذب المفسدين ثم يتركهم؟ فمن ذا يضمن عدم عودة الباقين إلى افسادهم؟ وما ذا يضمن من لا يسطع منهم الإفساد او هو تاركه الآن ألّا يفسد بعد الآن؟ او يبيدهم كلهم؟ فقصاصا قبل الجناية لبعضهم! وعلّ في أنسال مفسديهم صالحين او مصلحين : فلا طريقة إذا أمثل من صدهم بسدهم! (قالَ هذا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي فَإِذا جاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَكانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا)(٩٨).
(آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ) والزبرة واحدتها وهي القطعة العظيمة ، فقد طلب إليهم ان يأتوه قطعا من الحديد دون تحديد (حَتَّى إِذا ساوى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ) حيث ملأ بينهما من زبر الحديد لحد ساوى بين الصدفين : الجانبين الصلبين من السدين ، وهي ركامة حديدية بين الحاجزين فأصبحا كأنهما صدفتان تغلقان ذلك الكوم الممر حيث الركام سامت القمتين ، ومن لطيف الصدف تساوي الصدفين كما تدل عليه «ساوى».
وكيف يلحم بين زبر الحديد حتى تصبح كأنها زبرة واحدة كجبل حديدي بين الجبلين؟ هنالك نفخ وقطر يلحّمان زبر الحديد كأقوى تلحيم! (قالَ انْفُخُوا) بمنافخ فنفخوا (حَتَّى إِذا جَعَلَهُ) المنفوخ «نارا» فضمير المفرد رغم جمعية زبر الحديد يلمح الى حدة الالتحام بينهما لحد الوحدة أو كأنها زبرة واحدة ، ومن ثم «نارا» لا نيران ، لمحة مليحة الى وحدة نارية بعد وحدة الالتحام وحدتّه ، نار واحدة في شدة الحرارة والالتحام.
وهل يكتفي بذلك ، وعلّ بين هذه الوحدة النارية فرجا؟ كلّا ، إنه القطر : النحاس المذاب ، يفرغ على هذه النار الزبرة الحديدية فيكتمل أمر السد الردم!
![الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن والسنّة [ ج ١٨ ] الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن والسنّة](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3039_alfurqan-fi-tafsir-alquran-18%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
