فالأولون هم المشركون وأضرابهم الذين يفترون على الله الكذب ، والآخرون هم المدّعون الوحي ، فكما أنهم أولاء يفترون الكذب فهم من أظلم الظالمين ، كذلك مدعي الوحي ولا يوحى إليه بشيء ، فلو أنني : محمد الرسول ـ لم يوح إلي وادّعيه لكنت من أمثالكم في أظلم الظلم.
ثم هنا فرقة ثالثة يدعي مستقبل الوحي وعدا مكذوبا ، وهم أنحس من مدعي الوحي كاذبا لمكان «سأنزل» الدالة على إمكانية إنزال مثل ذلك من عند الله أم سواه ، ويكأنه إله من دون الله ينزل وحيا كما هو ، أم هو مسيطر على الله يستنزله الوحي ، أم ويستنزله ممّن سواه ، وذلك فرق الوحي المنزل على الرسل حيث ينزل عليهم ولا ينزلون ، فإنما المنزل الوحي المنزل على الرسول ليس إلّا منزله ، والوسيط فيه هو النازل به ، ف «سأنزل» هي دعوى فوق الرسالة ألوهة وسواها.
وقد تلمح (مِثْلَ ما أَنْزَلَ اللهُ) أنه ينزله ممن سواه ، نفسه أم سواه ، وذلك من دعوى المماثلة مع الله ، أن ينزل من الوحي على رسول كما أنزل الله على رسوله.
ثم «سأنزل» في وعد الاستقبال لا مستقبل له منذ وعده كما لم يحصل حتى الآن ، فقد حاول كثير أن يعارضوا وحي القرآن بما سواه وحتى بسائر وحي الله ولن يقدروا : (وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَداءَكُمْ مِنْ دُونِ اللهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ. فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ) (٢ : ٢٤).
ذلك ، والذين يختلقون ضوابط دون سناد إلى كتاب أو سنة ، ثم يرتكنون عليها في إصدار أحكام ينسبونها إلى الله ، هم كذلك من المفترين على الله الكذب ، أو القائلين (أُوحِيَ إِلَيَّ ..) أو (سَأُنْزِلُ مِثْلَ ما أَنْزَلَ اللهُ) ومن أشبه ..
![الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن والسنّة [ ج ١٠ ] الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن والسنّة](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3021_alfurqan-fi-tafsir-alquran-10%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
