(كَذلِكَ نُرِي إِبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ) بما فيهما من أصنام وأوثان وطواغيت وسواها من الكائنات ، فإن رؤية حق الخلق وحاقّه رؤية لحق فعل الخالق قدرها ، مهما كانت الرؤية الطليقة خاصة بالله ، فلا يعرف نفسه كما هو إلّا هو ، ثم من يعرّفه نفسه بما يريه من ملكوت خلقه ، فإن ملكوته نفسه لا ترى إلّا لنفسه ، وكما يروى عن أوّل العارفين والعابدين : «ما عرفناك حق معرفتك وما عبدناك حق عبادتك».
صحيح أن رؤية الفطرة الأصيلة ، غير المحجوبة ، هي أصل الرؤية ، ثم رؤية العقل الذي يتبنّاه هي فصل الرؤية عن إجمالها ، ولكنها مع رؤية العلم والحس لا تكفي عصمة طليقة في أصل الرؤية وفصلها ، اللهم إلّا قدر ما كلف العباد بما وهبوا من طاقات للمعرفة ، و«لو لا أن الشياطين ...».
فإبراهيم الخليل هو من أولئك المعصومين الأكارم الذين أراهم الله ملكوت الكائنات بأسرها كما يمكن لمخلوق ، مهما كانت هذه الإرادة أيضا درجات ، من علم اليقين إلى عين اليقين وإلى حق اليقين ، كما ولكلّ درجات.
ولأن صور الرؤية الملكوتية للكون والمكون درجات ، فقد رأى محمد (ص) ربه في أحسن صورة (١) رؤية معرفية بقلبه وكما رأى من آيات
__________________
(١) في الدر المنثور اخرج احمد وابن جرير وابن مردويه والبيهقي في الأسماء والصفات عن عبد الرحمن بن عائش الخضرمي عن بعض اصحاب النبي (ص) قال سمعت رسول الله (ص) يقول : رأيت ربي في احسن صورة فقال : فيم يختصم الملاء الأعلى يا محمد! قلت : أنت اعلم أي رب فوضع يده بين كتفيّ فوجدت بردها بين ثديي قال فعلمت ما في السماوات والأرض ثم تلا هذه آلية : (وَكَذلِكَ نُرِي إِبْراهِيمَ ...) ...
![الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن والسنّة [ ج ١٠ ] الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن والسنّة](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3021_alfurqan-fi-tafsir-alquran-10%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
