المعزّ أولياءه بقوته وقدرته ، الرحيم بعباده المؤمنين ، فلا يدع القوي يتحكم بالضعيف ، ولا يعاجل بالانتقام على الذنوب ، كما قال تعالى : (وَلَوْ يُؤاخِذُ اللهُ النَّاسَ بِما كَسَبُوا ما تَرَكَ عَلى ظَهْرِها مِنْ دَابَّةٍ ، وَلكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى) [فاطر ٣٥ / ٤٥].
روى الترمذي وابن جرير وابن أبي حاتم والبزار عن أبي سعيد الخدري قال : لما كان يوم بدر ظهرت الروم على فارس ، فأعجب ذلك المؤمنين ، ففرحوا به ، وأنزل الله : (وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ اللهِ ، يَنْصُرُ مَنْ يَشاءُ ، وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ).
وقال جماعة آخرون : بل كان نصر الروم على فارس عام الحديبية. والمهم أنه لما انتصرت الروم على الفرس ، فرح المؤمنون بذلك ؛ لأن الروم أهل كتاب في الجملة ، فهم أقرب إلى المؤمنين من المجوس ، كما قال تعالى : (لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَداوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا ، وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قالُوا : إِنَّا نَصارى ..) الآية [المائدة ٥ / ٨٢].
(وَعْدَ اللهِ لا يُخْلِفُ اللهُ وَعْدَهُ ، وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ) أي هذا الذي أخبرناك به يا محمد من أنا سننصر الروم على فارس وعد حق من الله ، وخبر صدق ، والله لا يخلف الميعاد ، ولا بد من وقوعه ، لأن سنة الله أن ينصر أقرب الطائفتين المقتتلتين إلى الحق ، ولكن أكثر الناس لا يعلمون بحكم الله وأفعاله القائمة على العدل ، لجهلهم بالسنن القائمة في الكون.
(يَعْلَمُونَ ظاهِراً مِنَ الْحَياةِ الدُّنْيا ، وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غافِلُونَ) أي أكثر الناس لهم علم ظاهري بالدنيا وعلومها المادية كتدبير شؤون المعيشة ، وتحصيل الأموال والمكاسب من تجارة وزراعة وصناعة وغيرها ، ولكنهم غافلون عن أمور الدين والآخرة ، كأنهم عديمو الفكر والنظر ، لا ينظرون إلى المستقبل
![التفسير المنير [ ج ٢١ ] التفسير المنير](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F2966_altafsir-almunir-21%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
