الحروف المأخوذة منها الحركات : الواو ، والياء والألف ، فأما الألف فلا سبيل إلى جعلها أولا ، من قبل أنها لا تكون إلا ساكنة ، والأول لا يكون ساكنا ؛ فجعل مكانها أقرب الحروف منها ، وهي الهمزة ، فاجتمع فيها ـ أعني الهمزة ـ قربها من الألف ، وكثرة وقوعها زائدة أولا ، فكانت أولى الحروف بالوضع مكان الألف.
وأما الواو فإنها لا تقع زائدة أولا في حكم التصريف ، فأبدل منها حرف يبدل من الواو كثيرا ، وهو التاء ، ومواضع بدلها من الواو كثير ، منها قولهم : " تخمة" وهي من الوخامة وتهمة ، وتقي ، وتراث ، واتعد ، إذا أردت" افتعل" من الوعد ، وقولهم : " تالله" مكان" والله".
واحتاجوا بعد هذه الحروف إلى حرف رابع ، فكان أقرب الحروف من حروف المد واللين" النون" ؛ وذلك أنها غنة في الخيشوم تجري فيه كما تجري حروف المد واللين في مواضعها ، وتكون إعرابا في قولك : تفعلان ، ويفعلون ، وتفعلين ، تكون لضمير جماعة المؤنث في قولك : " قعدن" في مكان" قعدوا" ، و" قمن" في مكان" قاموا" ، وتبدل منها الألف في الوقف ، في قولك : " رأيت زيدا" فجعلوا النون هو الحرف الرابع والله أعلم.
قال : " وليس في الأسماء جزم ؛ لتمكنها ، وإلحاق التنوين بها فإذا ذهب التنوين لم يجمعوا عليه ذهابه ، وذهاب الحركة".
إن سأل سائل فقال : لم دخل التنوين الاسم؟ قيل له من قبل أن الأسماء على ثلاثة أقسام : منها أن تكون على خفتها غير داخل عليها ما ينقلها إلى شبه الفعل ، ومنها ما يشبه الأفعال ، ومنها ما يشبه الحروف ، فوجب أن ترتب على هذه المراتب الثلاث ، فنون أخفها ليكون حذف التنوين علامة لما يشبه الفعل عندهم ، وحذف الحركة والتنوين ، ولزوم طريقة واحدة علامة لما يشبه الحرف. وسنبين كل ما يشبه الحرف في موضعه إن شاء الله.
فإن قال قائل : فهلا اقتصروا على الإعراب في الاسم الأخف وسكنوا ما يشبه الفعل؟ قيل له : لو فعلوا ذلك لم يكن فرق بين ما يشبه الفعل أو بين ما يشبه الحرف.
فإن قال قائل : فكيف صارت النون أولى بذلك من سائر الحروف؟ قيل له : لأن النون غنه في الخيشوم ، وهي أقرب الحروف وأشبهها بحروف المد واللين.
فإن قال : فلم لم يدخل الجزم الاسم؟ فإن الذي قال" سيبويه" في ذلك : أنه لو دخل
![شرح كتاب سيبويه [ ج ١ ] شرح كتاب سيبويه](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F2782_sharh-kitab-sibeveih-01%2Fimages%2Fcover.gif&w=640&q=75)
