غير رغبة منه عليهالسلام إنّ الأربعة عشر عاماً التي عاشها الإمام عليهالسلام من حكم المتوكل كانت أشد سنين مرّت عليه . جرّعه فيها صنوف الأذى والمحن . ومنها سعي بأبي الحسن علي بن محمد عليهالسلام إلى المتوكل وقيل له : إنّ في منزله سلاحاً وكتباً وغيرها من شيعته ، فوجّه إليه ليلاً من الأتراك وغيرهم من هجم عليه في منزله ، على غفلة ممن في داره ، فوجدوه في بيت وحده مغلق عليه وعليه مدرعة من شعر ، ولا بساط في البيت إلّا الرمل والحصى ، وعلى رأسه ملحفة من الصوف متوجهاً إلى ربّه يترنم بآيات من القرآن في الوعد والوعيد .
فأُخذ على ما وجد عليه ، وحمل إلى المتوكل في جوف الليل فمثل بين يديه والمتوكل يشرب وفي يده الكأس ، فلما رآه أعظه واجلسه إلى جنبه ولم يكن في منزله شيء مما قيل عنه ، ولا حالة يتعلل عليه بها ، فناوله المتوكل الكأس الذي في يده ، فقال : يا أمير المؤمنين ما خامر لحمي ودمي قط فاعفني منه فاعفاه وقال : انشدني شعراً استحسنه ، فقال إنّي لقليل الرواية للشعر فقال لابد أن تنشدني فانشده :
|
باتوا على قلل الأجبال تحرسهم |
|
غلب الرجال فما أغنتهم القلل |
|
واستنزلوا بعد عزٍّ عن معاقلهم |
|
فأودعوا حفراً يا بئس ما نزلوا |
|
ناداهم صارخ من بعد دفنهم |
|
أين الأُسرة والتيجان والحلل |
|
أين الوجوه التي كانت منعمة |
|
من دونها تضرب الاستار والكلل |
|
فافصح القبر عنهم حين ساءلهم |
|
تلك الوجوه عليها الدود يقتلُ |
|
قد طالما أكلوا دهر وقد شربوا |
|
فأصبحوا بعد طول الأكل قد أُكلوا |
|
وطالما عمروا دوراً لتحصنهم |
|
ففارقوا الدور والأهلين وانتقلوا |
|
أضحت منازلهم قفراً معطلة |
|
وساكنوها إلى الأجداث قد رحلوا |
* * *
