العوامل الواضحة منها ارتفاع التربة ومتانتها وجفافها. لكن أيضا قربها من النهر ـ منبع الماء والحياة والاتصال بالسواد. ولم يكن الأمر كذلك في المنطقة الغربية وحتى الجنوبية اللتين كانتا مرتفعتين قطعا ، لكنهما امتدتا في اتجاه البادية ، على مسافة كبيرة (١). وتطرح كثافة العمران في الشمال مشكلا هو مصير تراتبية تلك الطرق التي تجلت لنا في خصوص العصر البدائي فهل أن كلمة سكة تنطبق على الطرق الكبرى التي كانت مسالك أو على الشوارع الأقل عرضا التي «تحاذي هذه ثم تلاقيها» أم على الاثنين معا؟ (٢). وإلى أي حد بلغ محو نسق الطرق وما هو الصنف الذي طاوله هذا المحو؟ استمرت قطعا الطرق قائمة بصورة أو بأخرى على الأقل من حيث انفتاحها على المساحة المركزية ، لأن أبا مخنف ما انفك يكرر قوله مع رواة آخرين بخصوص «أفواه السكك» (أي مدخل الشوارع ومخارجها ابرازا لأهميتها الاستراتيجية) (٣). فمن تحكم في هذه «الأفواه» تحكم في المدخل إلى قلب المدينة : الأمر صريح بخصوص الشمال وأيضا بالنسبة للشرق قليل الضيق وواضح التخطيط ، ويبدو أن هناك طريقا كبرى للعبور كانت تقع بين الكناسة والقصر ، بالنسبة للغرب أو الجنوب الغربي ، وكان الأمر كذلك في البصرة بين المربد والمركز (٤).
ويخص السؤال الأخير تحديد موقع الجبّانات دائما بالاعتماد على هذا النص. لا يبدو أنها كانت تقع في أطراف الخطط بل في مركزها ، في منتصف المسافة حيث فتحة الخطة على المركز ومنتهاها في الخارج حيث تمحي (٥). ولذا لم تكن الجبانات محيطة فيما يظهر ، بل مركزية. وما يدفعنا إلى اعتقاد ذلك طريقة الهجوم التي سار عليها جنود المختار نحو جبانة السبيع ، حيث قدم ابن الكامل وابن شميط من الجنوب ، وهجمت شبام بغتة من الشمال ، انطلاقا من قطيعتها العشائرية (٦). فتمت محاصرة الجموع التي تحصنت بالجبانة وجرى القضاء عليها. ولا شك أن الجبانة كانت تحديدا موقعا استراتيجيا من جهة أخرى ، ولا شك أنها لاصقت الطريق الرئيسة ، ويرجح أن السكك الثانوية كانت تصب فيها (٧). ولا بدّ أنها كانت مفرقا للطرق ، فجسمت في آن مدخلا سدّا يتحكم في فوضى الخطط. ويمكن
__________________
(١) صالح العلي ، «منطقة الحيرة ...» ، مقال مذكور ، انظر الخارطة.
(٢) المرجّح أنها تنطبق على المناهج كما على السكك ذات العشرين ذراعا.
(٣) الطبري ، ج ٦ ، ص ٢٧ و ٢٨.
(٤) المرجع نفسه ، ص ٣٠ : امتنع على المختار دخول الكوفة من الشرق والشمال ، فأحاط بها. ورد ذكر البصرة بوضوح في أنساب الأشراف ، ج ٤ (١) ، ص ٢١٢.
(٥) كتاب البلدان ، ص ٣١٠.
(٦) الطبري ، ج ٦ ، ص ٤٨.
(٧) المرجع نفسه ، ص ٤٨.
