وتولى عمر الخلافة فتابع مخططات أبي بكر ، دون أن يدخل عليها من البدء تغييرات تذكر. ولا يبدو قابلا للتصديق أن ننسب إليه ، كما فعل سيف (١) ، مشروعا واضحا محددا وواسع النطاق ، يكون شرع فيه منذ سنة ١٣ ، ويتمثل في تصور الفتح صراحة بمثابة غزو للهجرة ، وفي إرادة إشراك كل العرب من شبه الجزيرة ـ ومنهم المرتدون ـ في التحرك العراقي. كما أنه لا يمكننا على العكس مجاراة كايتاني حين يؤكد أن عمر لم يهتم جديا بالعراق إلا بعد وقعة اليرموك (٢). معنى ذلك أنه لا يمكن أن نحصر كامل العمل الذي سيحققه عمر خلال الثلاث سنوات القادمة ـ وكان عملا تدريجيا حذرا وجسورا في آن ـ في نية وضعت مسبقا ، إذ تصير بداهة تنظيرا إسقاطيا لما سيتم تحقيقه بعد ذلك. فماذا فعل عمر وماذا كان يقدر أن يفعل؟ أن يتابع ما سنه أبو بكر ، ويداوم الضغط على الحدود الساسانية ، ترقبا لظروف أخرى تكون أكثر ملاءمة ، بمعنى أن يسهر على إعداد آلة الحرب. لقد استعان في المدة الأولى بنخبة محاربة صغيرة من الأنصار وأقنع في فترة ثانية قبيلة بجيلة بالاستقرار في العراق ، وقام بخطوة حذرة في اتجاه الانفتاح على المرتدين. كانت سنة ١٣ ـ ١٤ ه عبارة عن مرحلة وسيطة لكنها تجاوزت مرحلة الأيام ، بقوة المجابهات التي جدّت. ذلك أن السلطة الفارسية استعادت تماسكها وأخذت في ردّ الفعل في حين أنها اكتفت إلى ذلك الوقت بالاعتماد على الحاميات العربية ـ الفارسية الساهرة على خط الدفاع.
لكن شعور الفرس الجديد بالخطر العربي لم يكن قويا بما يكفي ، حتى يعدلوا عن منازعاتهم الداخلية فكانت ردودهم ظرفية ، قوية أحيانا لكنها غير مسترسلة وغير مثمرة.
١) أبو عبيد ومعركة الجسر (شعبان أو رمضان ١٣ / أكتوبر أو نوفمير ٦٣٤) (٣).
كلف عمر أبا عبيد بن مسعود الثقفي (٤) برئاسة سرية من ألف رجل لمدّ يد المساعدة
__________________
فالتبست عليه المعركتان وأرخهما في سنة ١٣ ، في حين أن كافة الروايات التاريخية الأخرى لا سيما رواية مدرسة المدينة (ابن اسحاق والواقدي) ومنطق الأحداث البديهي تفصل بين الأمرين : البلاذري ، فتوح البلدان ، ص ١٢٠ ، وخليفة بن خياط ، التاريخ ، ج ١ ، ص ٨٧. يلاحظ كايتاني عن حق أن تقديم سيف لمعركة اليرموك نشأ عنه غلطه في تأريخ المعارك العراقية : Caetani ,Annali dell\'Islam ,III ,٢ ,p.٩٤٥
(١) الطبري ، ج ٣ ، ص ٤٤٥.
(٢) Caetani ,Annali ـ ـ ـ ,III ,٢ ,p.٢٣٦.
(٣) حسب كايتاني ، قدّم سيف المعركة شهرا : Annali dell\'Islam ,III ,٢ ,p.٠٣٦ ,٣٣٦. ، راجع أيضا : Voccia ـ Vagliori,» art. Kadisiyya «, Encyclopedie de l\'Islam, t IV, p. ١٠٤ ـ ٣. ؛ وأورد أبو مخنف تاريخا حدده في شهر رمضان من سنة ١٣ : البلاذري ، فتوح البلدان ، ص ٢٥٣. نجد التاريخ نفسه في الدينوري ، الأخبار الطوال ، ص ١١٤.
(٤) لعلّ أبا عبيد لم يكن خاملا بالصورة التي يريد كايتاني حملنا على تصديقها ، ويظهر أن هيل Hill ,
