الأنبار (١) ويوم عين التمر (٢) ، ويوم دومة الجندل (٣). كانت عبارة عن هجمات عنيفة طلبا للغنيمة والتخويف ، وقد ذهب ضحيتها عرب الضاحية. فقتّلت النّمر وتغلب وأياد في عين التمر داخل الحصن ، واشتهر هذا الحصن لوجاهة الأسرى الفتيان الذين أسروا فيه (ولا سيما سيرين ويسار ونصير). وقد واجه خالد في دومة الجندل قبائل كانت تقيم بين الشام والجزيرة هي بهراء وكلب وغسان وتنوخ. ندرك في هذا الصدد الوجه الجاهلي العروبي الموجود في الأيام ، إدراكا جيدا ، فضلا عن كونها تظهر أيضا بمظهر حروب الردة ، الذي لا يرحم غير المسلمين. فوقع تقتيل الأسرى العرب ، إلا من كانوا من كلب لأنهم كانوا في حماية حلف مبرم مع تميم. وعلى هذا النحو حصلت القطيعة مع عرب الضاحية في الجزيرة كما في العراق ، وانضمت العناصر الخارجية من ربيعة إلى الفرس (٤).
عاد خالد بعد هذه الجولة العسكرية إلى الحيرة وهناك دعي إلى اللحاق بالشام ، فانتهت الأيام العراقية بعد نشوب بعض المعارك ، بيوم الفراض. وقد حددها أصحابها أنفسهم ، نعني أهل الأيام ، على هذا النحو من الوجهة الزمنية. وبرزت هذه التشكيلة كإحدى التشكيلات الاجتماعية المقبلة التي ستكون لها أهمية كبرى في الكوفة. الواقع أنه بقبولنا رواية هذه الأحداث على هذا النحو ، ندرك ما كان من تمجيد هؤلاء الرجال للأيام ، وندرك مبررات هذا التمجيد بصورة من الصور ، ذلك أن هذه الأيام تمثل الملحمة الكاملة ـ ولو بصورة مجملة ووتيرة لاهثة ـ لفتح العراق.
مرحلة وسيطة : الجسر والبويب (١٣ ـ ١٤ ه / ٦٣٤ ـ ٦٣٥)
إذا ارتأت حكومة المدينة لزوم توجيه خالد لنجدة جيوش الشام ولم تقم بالعملية المعاكسة على الرغم من الإنتصارات الساحقة التي سجلتها الأيام ، فإن هذا يرجع إلى كون الجبهة الحقيقة الجدية والوحيدة التي تخضع لاستراتيجية موضوعة مسبقا هي جبهة الشام. الواقع أن العمليات التي وجهت ضد البيزنطيين بكامل الجدية ، أعطت نتائج إيجابية فورية بفضل انتصار أجنادين (٥) (جمادى الأول من سنة ١٣ / ٦٣٤) الذي تمّ وأبو بكر على قيد الحياة.
__________________
(١) الطبري ، التاريخ ، ج ٣ ، ص ٣٧٣ ـ ٣٧٥.
(٢) الطبري ، المصدر نفسه ج ٣ ، ص ٣٧٦ ـ ٣٧٧.
(٣) الطبري ، ج ٣ ، ص ٣٧٨ ـ ٣٨٠.
(٤) اعتنقت الاسلام منذئذ بعض جماعات من ربيعة في العراق : الطبري ، التاريخ ، ج ٣ ، ص ٤١٤. هذا دون اعتبار الوثبة العرقية القومية التي دفعت بأفراد من ربيعة إلى الانضمام إلى اشقائهم العرب ، في وقعة القادسية وحتى قبل ذلك : المرجع نفسه ، ص ٤٦٤.
(٥) الطبري ، ج ٣ ، ص ٤١٥ ـ ٤١٨ ، نقلا عن سيف بن عمر الذي لم يميز بين أجنادين واليرموك (١٥ ه / ٦٣٦) ،
