ولكنا لم نجد المعول إلا عليهم ولا الصبر إلا عندهم ، فصفوا جميعا فى نحر العدو ، وجاءت الأعراب من خلفهم ، وذهبت حنيفة تطلب أن تهزمهم كما كانت تفعل ، فثبتوا على مصافهم لا تزول فترا ، واختلفت السيوف بينهم ، وصبر الفريقان جميعا ، وذهب الأعراب من ورائنا ، فحملنا عليهم حملة ، فما زادت حنيفة على أن رجعت القهقرى ما تولى الأدبار ، حتى وقفوا على باب الحديقة ، واختلفت السيوف بيننا وبينهم حتى نظرت إلى شهب النار ، وحتى صارت القتلى منا ومنهم ركاما ، وقد أغلقت الحديقة ، فدخل من رحمهالله فشغلهم عن الباب حتى دخلنا.
فإذا أهل السوابق قد وطئوا أنفسهم على الموت ، فما هو إلا أن عاينتهم حنيفة فى الحديقة ، فناديت أصحابى : عضوا على النواجذ ، لا أسمع شيئا إلا وقع الحديد بعضه على بعض ، فما كان شيء حتى قتل عدو الله ، فما ضرب أحد بعده من بنى حنيفة بسيف ، ولقد صبروا لنا من حين طلعت الشمس إلى صلاة العصر ، ولقد رأيتنى فى الحديقة وعانقنى رجل منهم وأنا فارس وهو فارس ، فوقعنا عن فرسينا ، ثم تعانقنا بالأرض ، فأجؤه بخنجر فى سيفى ، وجعل يجؤنى بمعول فى سيفه ، فجرحنى سبع جراحات ، وقد جرحته جرحا أثبته ، فاسترخى فى يدى ، وما بى حركة من الجراح ، وقد نزفت من الدم إلا أنه سبقنى بالأجل ، فالحمد لله على ذلك.
وحدث ضمرة بن سعيد : أنه خلص يومئذ إلى محكم بن طفيل وهو يقول : يا بنى حنيفة قاتلوا قبل أن تستحقب الكرائم غير رضيات ، وينكحن غير حظيات ، وما كان عندكم من حسب فأخرجوه ، فقد لحم الأمر ، واحتيج إلى ذلك منكم ، وجعل يقول : يا بنى حنيفة ادخلوا الحديقة ، سأمنع دابركم ، وجعل يرتجز :
|
لبئسما أوردنا مسيلمة |
|
أورثنا من بعده أغيلمة |
فدخلوا الحديقة وغلقوها عليهم ، ورمى عبد الرحمن بن أبى بكر محكما بسهم فقتله ، فقام مكانه المعترض ابن عمه ، فقاتل ساعة حتى قتله الله.
وفى غير حديث ضمرة أن خالد بن الوليد هو الذي قتل محكما.
حدث الحارث بن الفضل ، قال : لما رأى محكم بن طفيل من قتل قومه ما رأى ، جعل يصيح : ادن يا أبا سليمان ، فقد جاءك الموت الناقع ، قد جاءك قوم لا يحسنون الفرار ، فبلغ خالدا كلمته وهو فى مؤخر الناس ، فأقبل يقول : هأنذا أبو سليمان ، وكشف المغفر عن وجهه ، ثم حمل على ناحية محكم يخوف بنى حنيفة ، فاقتحم عليه خالد ، فيضربه
![الإكتفا [ ج ٢ ] الإكتفا](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F2526_alektefa-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
