كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) (١) : أي إذ كنتم ؛ لأنه لم يخبر بكونهم الأعلون إلا بعد إيمانهم. (سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشى) : أي لا يتذكر بذكراك إلا من يخاف ، فإن الخوف حامل على النظر في الذي ينجيه مما يخافه ، فإذا نظر فأداه النظر والتذكر إلى الحق ، وهؤلاء هم العلماء والمؤمنون كل على قدر ما وفق له. (وَيَتَجَنَّبُهَا) : أي الذي ، (الْأَشْقَى) : أي المبالغ في الشقاوة ، لأن الكافر بالرسول صلىاللهعليهوسلم هو أشقى الكفار ، كما أن المؤمن به وبما جاء به هو أفضل ممن آمن برسول قبله. ثم وصفه بما يؤول إليه حاله في الآخرة ، وهو صلي النار ووصفها بالكبرى. قال الحسن : النار الكبرى : نار الآخرة ، والصغرى : نار الدنيا. وقال الفراء : الكبرى : السفلى من أطباق النار. وقيل : نار الآخرة تتفاضل ، ففيها شيء أكبر من شيء. (ثُمَّ لا يَمُوتُ) : فيستريح ، (وَلا يَحْيى) حياة هنيئة ؛ وجيء بثم المقتضية للتراخي إيذانا بتفاوت مراتب الشدة ، لأن التردد بين الحياة والموت أشد وأفظع من الصلي بالنار.
(قَدْ أَفْلَحَ) : أي فاز وظفر بالبغية ، (مَنْ تَزَكَّى) : تطهر. قال ابن عباس : من الشرك ، وقال : لا إله إلا الله. وقال الحسن : من كان عمله زاكيا. وقال أبو الأحوص وقتادة وجماعة : من رضخ من ماله وزكاه. (وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ) : أي وحده ، لم يقرنه بشيء من الأنداد ، (فَصَلَّى) : أي أتى الصلاة المفروضة وما أمكنه من النوافل ، والمعنى : أنه لما تذكر آمن بالله ، ثم أخبر عنه تعالى أنه أفلح من أتى بهاتين العبادتين الصلاة والزكاة ، واحتج بقوله : (وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ) على وجوب تكبيرة الافتتاح ، وعلى أنه جائز بكل اسم من أسمائه تعالى ، وأنها ليست من الصلاة ، لأن الصلاة معطوفة على الذكر الذي هو تكبيرة الافتتاح ، وهو احتجاج ضعيف. وقال ابن عباس : (وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ) : أي معاده وموقفه بين يدي ربه ، (فَصَلَّى) له. وقرأ الجمهور : (بَلْ تُؤْثِرُونَ) بتاء الخطاب للكفار. وقيل : خطاب للبر والفاجر ؛ يؤثرها البر لاقتناء الثواب ، والفاجر لرغبته فيها. وقرأ عبد الله وأبو رجاء والحسن والجحدري وأبو حيوة وابن أبي عبلة وأبو عمرو والزعفراني وابن مقسم : بياء الغيبة.
(إِنَّ هذا) : أي الإخبار بإفلاح من تزكى وإيثار الناس للدنيا ، قاله ابن زيد وابن جرير ، ويرجح بقرب المشار إليه بهذا. وقال ابن عباس وعكرمة والسدي : إلى معاني السورة. وقال الضحاك : إلى القرآن. وقال قتادة : إلى قوله : (وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقى).
__________________
(١) سورة آل عمران : ٣ / ١٣٩.
![البحر المحيط في التّفسير [ ج ١٠ ] البحر المحيط في التّفسير](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F2457_albahr-almuhit-10%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
