والسلام مضيافا ، وحسبك وقف للضيافة أوقافا تمضيها الأمم على اختلاف أديانها وأجناسها.
(فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ) : فيه أدب المضيف من تقريب القرا لمن يأكل ، وفيه العرض على الأكل ؛ فإن في ذلك تأنيسا للآكل ، بخلاف من قدم طعاما ولم يحث على أكله ، فإن الحاضر قد يتوهم أنه قدمه على سبيل التجمل ، عسى أن يمتنع الحاضر من الأكل ، وهذا موجود في طباع بعض الناس. حتى أن بعضهم إذا لج الحاضر وتمادى في الأكل ، أخذ من أحسن ما أحضر وأجزله ، فيعطيه لغلامه برسم رفعه لوقت آخر يختص هو بأكله. وقيل : الهمزة في ألا للإنكار ، وكأنه ثم محذوف تقديره : فامتنعوا من الأكل ، فأنكر عليهم ترك الأكل فقال : (أَلا تَأْكُلُونَ). وفي الحديث : «إنهم قالوا إنا لا نأكل إلا ما أدينا ثمنه ، فقال لهم : وإني لا أبيحه لكم إلا بثمن ، قالوا : وما هو؟ قال : أن تسموا الله عزوجل عند الابتداء وتحمدوه عند الفراغ من الأكل ، فقال بعضهم لبعض : بحق اتخذه الله خليلا».
(فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً) : أي فلما استمروا على الامتناع من الأكل ، أوجس منهم خيفة ، وذلك أن أكل الضيف أمنة ودليل على انبساط نفسه ، وللطعام حرمة وذمام ، والامتناع منه وحشة. فخشي إبراهيم عليه الصلاة والسلام أن امتناعهم من أكل طعامهم إنما هو لشر يريدونه ، فقالوا لا تخف ، وعرفوه أنهم ملائكة. وعن ابن عباس : وقع في نفسه أنهم ملائكة أرسلوا للعذاب. وعلمهم بما أضمر في نفسه من الخوف ، إنما يكون باطلاع الله ملائكته على ما في نفسه ، أو بظهور أمارته في الوجه ، فاستدلوا بذلك على الباطن. وعن يحيى بن شداد : مسح جبريل عليهالسلام بجناحه العجل ، فقام يدرج حتى لحق بأمه. (بِغُلامٍ عَلِيمٍ) : أي سيكون عليما ، وفيه تبشير بحياته حتى يكون من العلماء. وعن الحسن : عليم نبي ؛ والجمهور : على أن المبشر به هو إسحاق بن سارة. وقال مجاهد : هو إسماعيل. وقيل : علم أنهم ملائكة من حيث بشروه بغيب ، ووقعت البشارة بعد التأنيس والجلوس ، وكانت البشارة بذكر ، لأنه أسر للنفس وأبهج ، ووصفه بعليم لأنها الصفة التي يختص بها الإنسان الكامل إلا بالصورة الجميلة والقوة.
(فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ) : أي إلى بيتها ، وكانت في زاوية تنظر إليهم وتسمع كلامهم. وقيل : (فَأَقْبَلَتِ) ، أي شرعت في الصياح. قيل : وجدت حرارة الدم ، فلطمت وجهها من الحياء. والصرة ، قال ابن عباس ومجاهد والضحاك وسفيان : الصيحة. قال الشاعر :
![البحر المحيط في التّفسير [ ج ٩ ] البحر المحيط في التّفسير](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F2456_albahr-almuhit-09%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
