ولم يزل الحراس يحرسوننا. وكان أهل الدولة لما سمعوا كلام الدريعي ورأوا جسارته ، ارتعدوا من خوفهم عليه ، وتعجبوا بعد ذلك من صبر الوهابي وحلمه ، فجعلوا يطلبون معاشرتنا ، ودعانا أبو السلم إلى وليمة ببيته.
كتب الشيخ الحنبلي :
«لا يتكلم الدريعي بهذا الكلام لأنه كذب ، ويكذبه كل واحد ، فلو تكلم عند سعود بأنه يطلب دمه من ذكر كذبه ، وإن تكلم ... أكثر ما يحمل عليه أنه حشاش. وهو لا يملك إلا على طائفة من العرب تبلغ خيلهم ثلاثة آلاف خيال ، ورجالهم عشرة آلاف ، نهاية ما بين هجان وقراب وخيال خمسة عشرة ألف ، وعند البصرة طائفة من العرب يقال لهم المنتفق يبلغون ثلاثين ألفا ، وطائفة يقال لهم الخزاعل يبلغون خمسين ألفا ، لا هم في ملك سعود حتى يكونوا في ملك الدريعي ، والدريعي من عنزة ، وبقية طوائف عنزة في حكم غير الدريعي ، ولو وقعوا في الدريعي قتلوه أعظم من سعود وهم يزيدون على ستين ألف ، قدر جماعة الدريعي أربع مرات ، فهذا النصراني تكلم بما لا ينقل وبما لا يعقل. ومن عادة الوهابي سعود وابنه عبد الله وأبيه لا يرضون للرعايا بعزائم الدريعي وأمثاله من أكابر العرب (١) ، بل دار الضيافة عنده ولا يعرفها أحد لا أبو السلم ولا حضرموتي ، مع أن المذكورين لا وجود لهم».
وأما الفقير فما كنت مطمئنا بالكلية من جهة نفسي واعلم أن ابن سعود لا يجسر أن يقتل ابن شعلان أو يحبسه ويجعله أسيرا ، ولكنني أخاف أن ينسب إلي ذنب الحروب التي جرت بينهما ، إذ كان الدريعي منذ سنين لا يعمل شيئا إلا بمشاورتي ومشاورة الشيخ إبراهيم ، وهو مسيو لاسكاريس الإفرنجي. فقلت للدريعي : تسلم أنت لأن الوهابي يخاف من جنودك ، وأما أنا فأقاصص لأجلكم وأكون الذبيحة التي تتصالحون عليها وتتحالفون.
فلما سمع الدريعي كلامي حلف لي أنك لا يوصل إليك إلا بالدوس علي ، وأنك لتكون أول من يخرج من باب الدرعية.
__________________
(١) جاء في كتاب «لمع الشهاب في سيرة محمد بن عبد الوهاب» : كان سعود ، في أول حكمه ، يجيب من دعاه إلى غداء ولو كان فقيرا. وكان من عادة الشيخ ابن الشيخ محمد بن عبد الوهاب الذي تولى القضاء بعد موت أبيه أن «لا يضيف أحدا قط إلا أهل رأس الخيمة ، فإنهم إذا وفدوا على سعود لم يأكلوا إلا عنده وهو يرضى بهم ويكرمهم». (ص ١٧٦ ، ١٧٧).
