وبين النخيل واد مفتوح ، يدخل منه إلى الدرعية من غير سور ولا أبواب ، قدر ربعها ، يقال له باب سمحان ، ولا يدخل من ذلك أحد من المسافرين» (١).
وقصره واسع ذو دورين ، وهو مبني من حجر أبيض منحوت جيدا. فلما بلغ ابن سعود خبر وصولنا أمر بإدخالنا إلى محل من محال قصره ، منظوم ظريف الأثاث فجلسنا فيه ، ثم جيء بطعام وافر فأكلنا ، وتفاءلنا بالخير وشكرنا الله تعالى ، حيث لم نطع من خوّفنا من السفر. ولما جاء المساء نظمنا ملابسنا وتزينا ثم حضرنا لمقابلة الملك ، فرأينا رجلا كان عمره خمسا وأربعين سنة ، في عينيه عبوس واتساع ، وجلده أسمر ، ولحيته في غاية السواد ، عليه قباء مشدود في وسطه بحزام أبيض ، وعلى رأسه عمامة مخططة خطوطا حمراء وبيضاء ، وعلى كتفه اليسرى مشلح أسود ، وفي يده اليمنى قضيب ملك ، كأنه علامة ملكه (٢).
كتب الشيخ الحنبلي :
«[لحيته] في غاية البياض (٣). [وهم] يلبسون القبا ولا تحزم الأحزام السلاح. [وفي يده] ليس بقضيب بل مشعاب ، وليس علامة على الملك ، بل ينقله العام والخاص».
وكان جالسا في صدر قاعة مفروشة بالحصر والبسط الفاخرة ، وأكابر مملكته
__________________
(١) إن عبارة الشيخ الحنبلي من الإبهام بمكان ، فكيف يدخل إلى الدرعية من واد مفتوح ، وكيف لا يدخل من ذلك أحد من المسافرين؟ ويستنتج من كلامه أن الدرعية ما كان لها سور ولا أبواب ، وكرر مرتين قوله : ليس للدرعية باب (انظر ص ٢٩٨ و٣٠٥) ، مما يحملنا على الظن أنها كانت مدينة مفتوحة ، مع أنها كانت محاطة بوسائل دفاعية هامة ، لأن عاصمة الوهابيين كانت مهددة بالحروب والغزوات. ويعلمنا المؤرخ الفرنسي ما نجان أن الدرعية كانت مكونة من خمس بليدات : هي شبه أحياء ، وكان لكل واحدة منها سور وأبراج ، وهي غصيبة وطرفيّة وسهل وقسّيرين وطريف. وكانت غصيبة وطرفية مبنيتين قرب جبل وكانت تحميهما قلعة حصينة (مانجان ، تاريخ مصر ، ج ٢ ، ص ١١٨). وعندما هاجم إبراهيم باشا الدرعية ، صمدت له القوات الوهابية ، وسدّت بعض العناصر (بوابة سمحان في الطرف الشمالي من القلعة حيث تمركز عبد الله نفسه داخل الأسوار. وفي الخامس من تشرين الثاني ، شن إبراهيم باشا هجوما شديدا مركزا على حصون المدينة من جميع الجهات) (عبد الله فيلبي ، تاريخ نجد ، ص ١٥٣ و١٥٩).
فمن الواضح الجلي بعد هذه الشواهد أن قول الشيخ الحنبلي أن الدرعية ما كان لها سور ولا أبواب لا معنى له ، لأنها كانت مقسمة إلى خمسة أحياء ، وكل حي منها كان محاطا بالأسوار والأبراج ويدخل إليه من باب حصين. ولم يغادر إبراهيم باشا الدرعية إلا بعد أن دمرها ودمر حصونها وأبراجها.
(٢) لم يقل الصائغ أن القضيب علامة ملك ابن سعود.
(٣) الحنبلي يتكلم عن سعود والصايغ عن ابنه عبد الله.
