ولا تضع في عقلك أدنى شيء من كلام عابد ، فشر (١) فهو يحكي كثيرا بغير معنى ، وحياة الله العزيز لا أدعك تذهب من عندي إلا راضيا بكل ما تريد. ثم أدخلتني البيت وأعدت القهوة فشربناها. وهي لم تزل تتلطف بخاطري وتروّق خلقي. فقلت : يا اركية ، الله يساعد زوجك على أيامه ، لأنه لا يعرف الخير من الشر مهما كان. فظنّ أني جئت لأصالح والحال لو أن الدريعي عرف أني جئت عندكم كان تكدر مني كثيرا ، لأنه لا يريد الصلح معكم ولا يستطيع أحد أن يكلمه بهذا الخصوص. ولو كان الأمر بيدي لعقدت الصلح ، إذ يقول المثل الصلح سيد الأحكام ، ولا ينتج عن العداوة إلا خسارة المال والرجال وكثرة الأعداء ٢ / ٥٩ وازدياد الخصام وشماتة العدو. /
وبينما نحن بهذا الكلام إذ أقبل علينا عابد ، فما دخل البيت بل وقف خارجه وقال لو لا أنك دخلت بيتي لكنت قتلتك يا جاسوس الشر. فردّت عليه زوجته قائلة : كذبت يا رجل فيما تقول. ثم خرجت عنده وكلمته وجرّته من يده وأدخلته عندي ، فجلسنا للحديث فقلت له : يا أمير ، ليس معي إذن بأن أتكلم معكم بخصوص الأمور الواقعة ، بل أني جئت فقط حتى أكسب صحبتكم وأتشرف بمعرفتكم ، لأن الصحبة والمعرفة بالناس شيء مشكور بالدنيا. ولكن بما أنك فتحت هذه السيرة فعرفني بذنبي الذي تريد أن تقتلني به. قال : ذنبك أنك تعمل على تدبير الدريعي لتجعل العربان تحت حكمه حتى يستكبر عليهم ويستعبدهم أكثر من الوهابي ، وأنت مزمع (٢) على أن ترمي العداوة بيننا وبين الوهابي حتى تخربنا دون شك (٣) ، وعلى الخصوص الورقة التي عملتها رباطا حتى نبقى جميعنا في طاعة الدريعي يفعل بنا كما يريد. فقلت له : يا أمير عابد ، الكلام الكثير لا يستحلى. هل وصل إلى مسامعك أني أعمل على بث العداوة بين القبائل أم على صلحها؟ هل أريد إنقسامها أم اتحادها؟ هل أرغب في حريتها أم في استعبادها؟ عرفني ما ذا ينتج عن الصلح؟ الاتحاد والحرية خير أم شر؟ فسكت فقالت له امرأته : علام سكتت (٤)؟ رد الجواب على عبد الله. قال : ينتج عن ذلك الخير. قلت : بما أنك تعرف أن النتيجة خير فكيف تسميني جاسوس الشر؟ فاخز الشيطان من بالك وسمّ بالرحمن ، واعلم أن الذي مراده صلحك مراده خيرك ،
__________________
(١) تبجّح.
(٢) «مزعم».
(٣) «ولا بدّ».
(٤) «علامك اسكة».
