قال : الذي أتى بمكتوب علي ابن عواد وأخذ جوابه قد يكون مرّ عليه أثناء مسيره من عندنا ، وحكى له جميع الواقع. ففحصنا عن ذلك ووجدنا أنه بالواقع مرّ به ، وأن ظنّ الدريعي بمحله. فقلت : وما يستحسن عمله الآن؟ قال : هذا السيف يفصل بيننا وبينه ، والله أكبر عليه (١).
ثم ثاني يوم ركب سحن بنحو خمس مئة خيال فقط وسار إلى غزو قبيلة عابد كي ٢ / ٥٧ ينهب طرشها كما هي عادتهم دائما. فغاب عنا / ثلاثة أيام وعاد اليوم الرابع وقد كسب مئة وأربعين جملا ورأسي خيل عظيمة. وحكى لنا أنه حين أغار على الطرش وصل الخبر إلى البيوت. فركبت عرب الشرارات ولحقت بهم ، فوقعت حرب شديدة بينهم. فقتل من عربنا أربعة أنفار فقط ، ومن عرب الشرارات كذلك ، وأما المجرحون (٢) (٣) من الفريقين فكثيرون. والسبب في وقوع قليل من القتلى أنهم يتحاربون بالرمح فتكثر الجرحى. ومن جمله خيالتنا الذين كانوا مع سحن واحد يقال له صبيهي ، شاب عظيم من أقرباء زوجة سحن. فعادوا به محمولا ، وكان به تسعة جروحات كبيرة بالغة بالسيوف وضربتان بالرمح خارقة من الخاصرة إلى الأخرى وفي رأسه ضرب كناة كسرت رأسه. فالكناة هي عصا رأسها مكتل بقدر الرمانة ، مضروب بها مسامير من الحديد. وأحد الرماح لم يزل مشكوكا فيه مثل قربة اللحم ، فوضعوه على الأرض ولا يمكن أن يميّز المكان المجروح من السليم إذ كان مثل بركة دم. فأتوا حالا ونشروا طرف الرمح من الجانب الواحد عند خاصرته وسحبوه من الطرف الثاني. وبينما هم على هذه الحال إذ رفع أجفانه فرآني واقفا فوق رأسه فقال : لا تخف علي يا عبد الله تراني بعون الله سالما (٤). أعطني غليونك حتى أدخن (٥) التوتون. ومد يده وأخذ الغليون وصار يدخن كأنه في غاية الصحة وكأنه لم يحدث له أمر. فتعجبنا منه نحن وكل من كان حاضرا ، وبعد عشرين يوما شفي وعاد إلى ركوب الخيل أحسن مما كان سابقا. وكل المداواة (٦) كانت قلة شرب الماء ، لأنه يشرب عوضا عن الماء حليب الجمال والسمن الطرى ، وأكله دائما التمر بالسمن مع قليل من الخبز. وكل ثلاثة أيام تغسل جروحاته ببول الجمال. وعلى تلك الحكمة
__________________
(١) «الله وأكبر».
(٢ و٣) «المجاريح».
(٤) «طيب».
(٥) «اشرب».
(٦) «حكمته».
