وأعطينا الكتاب إلى المرسال (١). وسألناه من كم يوم خرجت من عند علي؟ قال : من ستة أيام. وكان راكبا هجينا خمساويا (٢) ، فتكون الجملة ثلاثين نهارا. ثم ركب وتوجه. وبعد ذهابه قال لي الدريعي : أني تعجبت منك كيف ذكرت في مكتوب عليّ سوف ترى ما يحل بك من سطوة السلطان ، وأظهرت كما لو أننا صحيحا من طرف العثماني بهذا الشغل. قلت : نعم وهذا هو التدبير الواجب ، دعه يظن أننا من أتباع العثماني ، فيدخل عليه بالأكثر الخوف والوهم بهذه الطريقة. وكذلك إن أتانا مكتوب من العثماني بهذا المعنى ، نظهر حالنا من طرف الوهابي ، ونقطع قلوبهم من سطوة الواحد على الآخر ، ونحن نستريح ونفعل ما نريد : هذا هو عين السياسة الصالحة لنا. ففرح من ذلك.
ثم رحلنا ثاني يوم وقطعنا نهرا يقال له الساجور (٣). فوجدنا هناك أناسا تقطعّ النهر بالفلائك لأنه نهر عظيم كبير وشاطئه كله رمل ومن الصعب جدا قطعه على ظهور الخيل إذ تغرز فيه رجل الدابة. فهذا النهر يقطع الجزيرة بالنصف ، ومواصل من الفرات إلى الدجلة (٤). ونزلنا على طرف النهر المذكور. وكان بالقرب منا قبيلة يقال لها الشرارات. ١ / ٥٧ أميرها اسمه عابد ابن اصبيح. فهذه القبيلة تحتوي على ألفين وثلاث مئة بيت ، رجالها أهل حرب / ولكنهم عنيدون جدا وغشماء نوعا ما ، ونساء هذه القبيلة أفهم من رجالها. ثم كتب الدريعي مكتوب سلام ومحبة إلى أميرها ودعاه لكي يحضر عندنا. فلما وصل المرسل [وقرأ الرسالة] غضب ومزّق المكتوب وقال : أنا عارف بجميع هذه الحيل (٥). قم وعد عند سيدك وقل له ما من جدوى ، والله العظيم ، إنه لن يراني في اتحادهم ، ولن يرى اسمي وختمي ولو فنيت أنا وكل عربي ومن يلوذ بي من القبائل والعشائر. فرجع المرسل وتكلم بجميع ما ذكرنا. فقال الدريعي : إني على علم تماما أنه سيحصل مثل هذه الأمور ، أولا لأن قبيلة الشرارات مشهورة بالغشم والجبن ، ثانيا لأنه توجد صداقة عظيمة بين عابد وعبد الله الهدال ، كاخيا ابن السعود ، وهو المسؤول لدى المذكور عن خرابنا. قلت : هذا رأي جيد ، ولكن كيف عرف عابد بهذه الأمور ، ومن أين له أن يعلم أن الوهابي قد اسند إلى عبد الله الهدال أمر مضادتنا؟
__________________
(١) المرسل أو الرسول.
(٢) الهجين الخمساوي يقطع في اليوم المسافة التي تقطع عادة في خمسة أيام.
(٣) يريد الخابور.
(٤) الواقع أن الخابور يصب مياهه في الفرات آتيا من نواحي الدجلة.
(٥) «الملاعيب».
