«ولكان المذنب أولى بالإحسان» لأنّه حمله على ما هو قبيح عقلا وشرعا وصيّره بذلك محلّا للائمة الناس فهو أولى بالإحسان ليتدارك ذلك. وأيضا لمّا حمل المحسن على ما هو حسن عقلا وشرعا وصار بذلك مورد المدح للناس فإن عاقبه وأضرّ به تداركا لما أحسن إليه كان أولى من جميع الإضرارين على المسيء. وقيل : إنّما كان المذنب أولى بالإحسان لأنّه لا يرضى بالذنب كما يدلّ جبره عليه والمحسن أولى بالعقوبة لأنّه لا يرضى بالإحسان لدلالة الجبر عليه ، ومن لا يرضى بالإحسان أولى بالعقوبة من الذي يرضى به.
بيان من المفيد في شرح الجبر والتفويض : قال قدسسره : الجبر هو الحمل على الفعل والاضطرار إليه بالقسر والغلبة وحقيقة ذلك إيجاد الفعل في الخلق من غير أن يكون له قدرة على دفعه والامتناع من وجوده فيه وقد يعبّر عمّا يفعله الإنسان بالقدرة التي معه على وجه الإكراه له على التخويف ولا لجأ أنّه جبر ، والأصل فيه ما فعل من غير قدرة على امتناعه منه وإذا تحقّق القول في الجبر على ما وصفناه كان مذهب الجبر وقول من يزعم أنّ الله خلق في العبد الطاعة من غير أن يكون للعبد قدرة على ضدّها والامتناع منها ، وخلق فيهم المعصية كذلك فهم المجبّرة حقّا والجبر مذهبهم على التحقيق.
والتفويض هو القول برفع الخطر عن الخلق في الأفعال والإباحة لهم مع ما شاؤوا من الأعمال وهذا قول الزنادقة وأصحاب الإباحات.
والواسطة بين هذين القولين أنّ الله أقدر الخلق على أفعالهم ومكّنهم من أعمالهم وحدّ لهم الحدود في ذلك ورسم لهم الرسوم ونهاهم عن القبائح بالزجر والتخويف والوعد والوعيد فلم يكن بتمكينهم من الأعمال مجبّرا لهم عليها ولم يفوّض إليهم الأعمال لمنعهم من أكثرها ووضع الحدود لهم فيها وأمرهم بحسنها ونهاهم عن قبيحها فهذا هو الفصل بين الجبر والتفويض على ما بيّنّا ، انتهى كلامه رفع في الخلد مقامه.
![مآثر الكبراء في تأريخ سامرّاء [ ج ٣ ] مآثر الكبراء في تأريخ سامرّاء](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F2372_maaser-alkobra-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
