فقد رأى الذي رأيت ، وأما نواحي المسجد فإنهم لا يدرون ما الأمر غير أنهم قد فقدوا صوت عمر ، وهم يقولون : سبحان الله ، سبحان الله ، فصلّى عبد الرّحمن بالناس صلاة خفيفة ، فلما انصرفوا قال : يا ابن عباس ، انظر من قتلني؟ قال : فجال ساعة ثم قال : غلام المغيرة بن شعبة ، فقال : الصّنع (١)؟ قال : نعم ، قال : قاتله الله ، لقد كنت أمرت له بمعروف (٢). ثم قال : الحمد لله الذي لم يجعل ميتتي بيد رجل يدّعي الإسلام ، كنت أنت وأبوك تحبان أن يكثر العلوج بالمدينة ، ـ وكان العباس أكثرهم رقيقا ـ فقال ابن عباس : إن شئت (٣) ، قال : بعد ما تكلّموا بلسانكم وصلوا قبلتكم وحجّوا حجّكم قال : فاحتمل إلى بيته قال : فكأنّ الناس لم تصبهم مصيبة قبل يومئذ ، قال : فقائل يقول : نخاف عليه ، وقائل يقول : لا بأس ، قال : فأتي بنبيذ فشرب منه ، فخرج من جرحه (٤) ، ثم أتي بلبن فشرب منه فخرج من جرحه (٥) ، قال : فعرفوا أنه ميت ، قال : فولجنا عليه ، وجاء الناس يثنون عليه ، قال : وجاء رجل شاب فقال : فقلت : أبشر يا أمير المؤمنين ببشرى الله ، قد كان لك من صحبة رسول الله صلىاللهعليهوسلم ، وقدم الإسلام ما قد علمت ، ثم استخلفت فعدلت ، ثم شهادة ، فقال : يا ابن أخي وددت أن ذلك كفافا لا عليّ ولا لي ، فلما أدبر الرجل إذا إزاره يمسّ الأرض ، فقال : ردّوا علي الغلام ، يا ابن أخي ارفع ثوبك ، فإنه أتقى لثوبك ، وأتقى لربّك ، يا عبد الله انظر ما عليّ من الدّين ، فحسبوه فوجدوه ستة وثمانين ألفا أو نحو ذلك ، فقال : إن وفى مال آل عمر فأدّه من أموالهم ، وإلّا فاسأل في بني عدي بن كعب فإن لم تف أموالهم فاسأل في قريش ، ولا تعدهم إلى غيرهم ، اذهب إلى أم المؤمنين عائشة فقل : يقرأ عليك عمر بن الخطّاب السلام ، ولا تقل أمير المؤمنين ، فإني اليوم لست للمؤمنين بأمير ، فقل : يستأذن عمر بن الخطاب أن يدفن مع صاحبيه ، قال : فسلّم ثم استأذن ، فوجدها تبكي ، فقال لها : يستأذن عمر بن الخطّاب أن يدفن مع صاحبيه ، فقالت : قد كنت أريده لنفسي ولأؤثرنه اليوم على نفسي ، قال : فجاء ، فلما أقبل قيل : هذا عبد الله بن عمر قد جاء ، فقال : ارفعاني ، فأسنده إليه رجل ، فقال : ما
__________________
(١) في ابن سعد : فقال : غلام المغيرة بن شعبة الصناع ، قال : وكان نجارا.
(٢) في أسد الغابة : لقد أمرت به معروفا.
(٣) كذا بالأصل وم و «ز» ، وفي أسد الغابة : إن شئت فعلت ، أي : إن شئت قتلنا ، فقال : كذبت ...
(٤) في أسد الغابة : من جوفه.
(٥) في أسد الغابة : من جوفه.
![تاريخ مدينة دمشق [ ج ٤٤ ] تاريخ مدينة دمشق](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F2371_tarikh-madina-damishq-44%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
