(١١١) ، لم أشاهد أحدا أمر بقتله إلا من قتله الشرع في حدّ من حدود الله تعالى : قصاص أو حرابة ، هذا على اتساع المملكة وانفساح البلاد واختلاف الطوائف (١١٢) ، ولم يسمع بمثل ذلك فيما تقدم من الأعصار ، ولا فيما تباعد من الأقطار.
وأما شجاعته فقد علم ما كان منه في المواطن الكريمة من الثبات والإقدام مثل يوم قتال بني عبد الوادي (١٠٣) وغيرهم ، لقد سمعت خبر ذلك اليوم ببلاد السودان وذكر ذلك عند سلطانهم ، فقال : هكذا وإلا فلا! قال ابن جزي ، لم يزل الملوك الأقدمون تتفاخر بقتل الآساد وهزائم الاعادي ، ومولانا أيده الله كان قتل الأسد عليه أهون من قتل الشاة على الاسد ، فإنه لما خرج الأسد على الجيش بوادي النّجارين من المعمورة (١٠٤) حوز سلا وتحامته الأبطال وفرت أمامه الفرسان والرجال برز إليه مولانا أيده الله غير محتفل به ولا متهيّب منه فطعنه بالرمح ما بين عينيه طعنة خرّ بها صريعا لليدين والفم (١٠٥) ، وأما هزائم الأعادي فإنما اتفقت للملوك بثبوت جيوشهم وإقدام فرسانهم فيكون حظ الملوك الثبوت والتحريض على القتال ، وأما مولانا أيده الله فإنه أقدم على عدوه منفردا بنفسه الكريمة بعد علمه بفرار الناس وتحققه أنه لم يبق معه من يقاتل فعند ذلك وقع الرّعب في قلوب الأعداء وانهزموا أمامه فكان من العجائب فرار الامم أمام واحد! وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء (١٠٦) ، والعاقبة للمتقين ، وما هو إلا ثمرة ما يمتنّ به ، أعلى الله مقامه ، من التوكل على الله والتفويض اليه.
__________________
(١١١) أول محرم ٧٥٧ كان يصادف ٥ يناير ١٣٥٦ وهو التاريخ الذي أوشكت الرحلة فيه على نهاية تحريرها ...
(١١٢) لم يكن استعمال كلمة «انفساح البلاد واختلاف الطوائف» عبثا من أبن بطوطة فإن المغرب امبراطورية فعلا وهو نتيجة لذلك ، يحتضن عددا من الأمم وتلتقى عنده شتى الحضارات ، وان القائد الذي يمكنه أن يحظى فعلا بوفاق الكل لهو فعلا قائد يستحق التنويه!!
(١٠٣) الاشارة دون شك إلى معركة انگاد (بسيط وجدة) التي جرت في آخر ربيع الثاني من عام ٧٥٣ ـ ١٥ يونيه ١٣٥٣ ، وقد فصّل ابن خلدون في عدد من المقاطع (ج ، ٧ ـ ٢٥٢ ـ ٥٩٨ ـ ٦٢٦) الحديث عن هذه المعركة التي كانت السبب في انقراض امر بني عبد الواد ثانية على حدّ تعبيره وقد جلس أبو عنان لاستقبال الوفود الواردة سواء من تونس أو الأندلس ... ونذكر أنه بهذه المناسبة جرى حديث ابن الخطيب مع أبي عنان حول واجب المصارحة التي ينبغي أن يتحلّى بها السفير. د. التازي : التاريخ الدبلوماسي للمغرب ج I ص ٢٣٥ ـ ٧ ص ١٤ ـ ١٥ ـ ابن الخطيب : ريحانة الكتاب ونجعة المنتاب ، تحقيق محمد عبد الله عنان ج ٦١٢ I
(١٠٤) غابة المعمورة تقع شمال مدينة سلا. وعن وادي النّجارين يتساءل هل له صلة بوادي سلا أو وادي الرّمان كما يسميه المراكشي في المعجب راجع II ، ٤٣١.
(١٠٥) مثل عربي ، وقد ورد ضمن شعر : «فخرّ صريعا لليدين وللفم» مثل يضرب في الشماتة بالعدو الذي يتمنى أن يقع على فمه وعلى يديه!.
(١٠٦) القرآن : السورة ٥ ، الآية ٦٤ ـ ١٠٧ القرآن LY II الآيةLX II ـ ١٢ الآية ٤.
![رحلة ابن بطوطة [ ج ٤ ] رحلة ابن بطوطة](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F2361_rihlat-ibn-battuta-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
