كتب علي بن أبي طالب عهدا لبعض أصحابه على بلد (١) فيه :
أما بعد ، فلا تطولن حجابك على (٢) رعيتك ، فإنّ احتجاب الولاة على الرعية شعبة من الضيق ، وقلة علم بالأمور ، والاحتجاب يقطع عنهم علم لما احتجبوا دونه ، فيصغر عندهم الكبير ، ويعظم الصغير ، ويقبح الحسن ، ويحسن القبيح ، ويشاب الحق بالباطل ، وإنّما (٣) الوالي بشر لا يعرف ما توارى عنه الناس به من الأمور ، وليست على القول (٤) سمات يعرف بها ضروب الصّدق من الكذب ، فتحصّن من الادخال في الحقوق بلين الحجاب ، فإنّما أنت أحد رجلين : إمّا امرؤ سخت نفسك بالبذل في الحق ، ففيم احتجابك من حق واجب أن تعطيه ، أو خلق (٥) كريم تسديه به وإما مبتلى بالمنع ، فما أسرع كف الناس عن مسألتك إذا يئسوا عن ذلك (٦) مع أن أكثر حاجات الناس إليك ما لا مئونة فيه عليك ، من شكاة مظلمة ، أو طلب إنصاف (٧) ، فانتفع بما وصفت لك ، واقتصر على حظك ورشدك ، إن شاء الله.
قال : وأنا أحمد بن مروان ، نا أبو بكر بن أبي الدنيا ، نا محمّد بن الحارث عن المدائني قال : قال علي بن أبي طالب :
لا تؤاخ الفاجر فإنه يزين لك فعله ، ويحبب أنّ لك مثله ، ويزين لك أسوأ خصاله ، ومدخله عليك ومخرجه من عندك شين وعار ، ولا الأحمق فإنّه يجهد نفسه لك ولا ينفعك ، وربما أراد أن ينفعك فيضرّك ، فسكوته خير من نطقه ، وبعده خير من قربه ، وموته خير من حياته.
ولا الكذاب فإنه لا ينفعك معه عيش ، ينقل حديثك وينقل الحديث إليك ، وإن تحدث بالصدق فما يصدق.
قال : أنا أحمد ، أنا أحمد بن عبدان ، أنا مصعب ، عن أبيه ، عن جده قال : قال علي عليهالسلام :
الكريم يلين إذا استعطف ، واللئيم يقسو إذا ألطف.
أخبرتنا فاطمة بنت عبد القادر بن أحمد بن السماك قالت : أنا أحمد بن محمّد بن أحمد بن قفرجل ، أنا جدي محمّد بن عبيد الله بن الفضل بن قفرجل ، نا محمّد بن
__________________
(١) نهج البلاغة : الكتاب ٥٣ ، الذي وجهه إلى الأشتر النخعي ، لما ولاه على مصر وأعمالها.
(٢) نهج البلاغة : احتجابك عن رعيتك.
(٣) الأصل : وأما ، والمثبت عن نهج البلاغة.
(٤) نهج البلاغة : على الحق.
(٥) نهج البلاغة : أو فعل كريم تسديه.
(٦) في نهج البلاغة : إذا أيسوا من بذلك.
(٧) في نهج البلاغة : أو طلب إنصاف.
![تاريخ مدينة دمشق [ ج ٤٢ ] تاريخ مدينة دمشق](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F2352_tarikh-madina-damishq-42%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
