حتى تناوله محمّد بن أبي بكر ، فقبض على لحيته ، فشتمه ، فقال عثمان : يا ابن أخي ، إن كان عزيز على والدك أن يضع يده حيث وضعت يدك ، فخرج ، ودخل عليه أبو عمرو بن بديل فطعنه بسهم ، ثم دخل عليه رومان بن سودان عديد لآل أصبح فضربه بالجرز (١) فقتله ، ثم دخل عليه نفر بأسيافهم ليضربوه بها ، فتناولت ابنة الفرافصة سيفا من أسيافهم ، فجرح بيدها ، فقالت : ويحكم ، إن كنتم تريدون قتله فقد والله قتله صاحب الجرز ، ولكنه حي عند ربه يرزق.
قال : فقال عمرو بن العاص حين بلغه قتل عثمان : قد علمت العرب أنّي إذا حككت قرحة (٢) أدميتها (٣) ، ثم إنّ الركب انصرفوا إلى مصر ، فلما دخلوا الفسطاط ارتجز مرتجزهم :
|
ألا احذرن من مثلها أبا حسن |
|
إنا نمر الحرب إمرار الرسن |
|
ننطق بالفصل وإحكام السنن |
||
فلما دخلوا المسجد قالوا : إنّا لسنا قتلنا عثمان ، ولكن الله قتله ، وكذلك يقول الله : (بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْباطِلِ فَيَدْمَغُهُ ، فَإِذا هُوَ زاهِقٌ ، وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ)(٤) فلما رأى ذلك شيعة عثمان بن عفّان ومن كره قتله قام من قام منهم إلى ابن أبي الكنود (٥) سعد بن مالك الأزدي ، وكان في مجلس ، ثم تتابعوا إليه حتى عظمت حلقته لا يقوم إليه رجل إلّا كان على مثل رأيه ، فوجم القوم لذلك طويلا ، فقال يومئذ لأهل الحلقة رجل من حجر يقال له عبد الله بن جويبر : قد طال منذ اليوم صماتكم ، فحلّوا حباكم (٦) ثم الحقوا برجالكم ، وأبرموا أمركم ، فقام القوم عند ذلك : فألبّ بعضهم بعضا ، وكان من يمشي في ذلك ويدعو إليه مقسم بن بجرة التجيبي ، فبدأ بابن أبي الكنود الكنود سعد بن مالك ، فدعاه أن يتولى أمر الخارجة ويطلب بدم عثمان ،
__________________
(١) الجرز : العمود من الحديد (اللسان).
(٢) الأصل والمطبوعة : فرجه ، والتصويب عن م و «ز».
(٣) الأصل : دميتها ، والتصويب عن م و «ز».
وهو مثل ، يريد : إذا يممت غاية تقصيتها وبلغتها.
انظر المستقصي للزمخشري ١ / ١٢٤ مجمع الأمثال للميداني ١ / ٢٨.
(٤) سورة الأنبياء ، الآية : ١٨.
(٥) كذا بالأصل وم و «ز» : ابن أبي الكنود ، والصواب أن سعد بن مالك يكنى بأبي الكنود ، ف «بن» مقحمة.
(٦) جمع حبوة. والحبوة الثوب الذي يحتبي به.
![تاريخ مدينة دمشق [ ج ٣٩ ] تاريخ مدينة دمشق](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F2337_tarikh-madina-damishq-39%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
