ما تذكرون ، فقال عمرو رافعا صوته : أتريد أن تجعلها بي يا عثمان ، كلّا والله ، بل قدموا في أمر جسيم من أمور أهل الإسلام ، يا عثمان ، إنّك قد ركبت بأمّتك نهابير وركبوها ، فتب ولتتب أمتك ، فقال أهل المدينة عند ذلك : نشهد بالله ، ونشهد من حضر من المسلمين أنا وأهل مصر على أمر واحد ، فجاءوا حتى حالوا بين عثمان والمنبر ، فنزل ، فدخل عليه نفر من قومه ، فقالوا : يا أمير المؤمنين ، إنّ عمرا هو الذي أغرى بك ، فأخرجه عثمان ، فطلّق عمرو امرأته ، ونزل السّبع (١) من أرض فلسطين ، فقال عمرو حين أخرج :
|
لنخضب لحية غدرت وخانت |
|
بأحمر من دماء الخوف ، قان |
ثم إن عثمان خرج إلى الناس فقال : أيها الناس ، ما هذا الأمر الذي عتبتم عليّ فيه؟ قالوا : نعتب عليك أنك نزعت أبا موسى الأشعري ، وولّيت الفاسق ، قد علمت ذلك ، ونزعت عمرا وأمرت ابن سعد ، وقد علمت ما قيل في ابن سعد ، وقد بلغنا أن الوليد يخرج سكرانا (٢) لا يعقل ، فقال عثمان : معاذ الله أن أعلم هذا منه وأؤمره ، فانظروا من رجل أمين نبعث فيعلم لنا علمه ، فقال أهل المدينة : قد رضينا جبلة بن عمرو ، فبعثوه ، فنزل على رجل من الأنصار يقال له قرظة بن كعب ، فقال له : ألا يتقي الله ، عثمان يجعل علينا رجلا يخرج إلى الصلاة لا يعقل؟ فقال (٣) له جبلة : اتّق الله ، اعلم ما تقول ، فإنّ عليك طاعة ، ثم جمع مع ذلك أنه أخ لأمير المؤمنين ، فقال له : أتراني كاذبا ، فو الله ما كذبتك ، فقال له : كيف لي أن أعلم ذلك [منه](٤) مثل ما علمت؟ فقال : إن صاحب شرابه يألف وليدة لنا وهي تخبرنا ، فلم يزل حتى أخبرته الوليدة أنه الآن سكران لا يعقل (٥) ، فدخل عليه جبلة بن عمرو ، فانتزع خاتمه وهو لا يشعر ، فقدم على عثمان فسأله ، فقال له : يا أمير المؤمنين بيني وبينك ، فقال أهل المدينة : كلا والله إلّا علانية ، فلما قصّ قصته على عثمان قال عثمان : كذبت ، فقد أخبرت خبرك قبل خروجك ، فأمر به عثمان فسجن ، فجعل أهل المدينة يأتونه في السجن ، ثم إن ناسا من أهل المدينة دخلوا على أهل السجن فأخرجوا جبلة بن عمرو ، فخرج جبلة عند ذلك إلى مصر ، ولما رجع ابن بديل وأصحابه من ذي المروة بما أحبوا عارضهم رجل على جمل يسير بأعلى
__________________
(١) السبع ناحية بين بيت المقدس والكرك فيه سبع آبار سمي الموضع بذلك.
(٢) كذا بالأصل وم و «ز» : سكرانا بالتنوين ، وهو قد يجوز ، وعزاها الجوهري والفيومي لبني أسد (راجع تاج العروس بتحقيقنا : سكر).
(٣) ما بين الرقمين سقط من م.
(٤) الزيادة عن «ز».
(٥) ما بين الرقمين سقط من م.
![تاريخ مدينة دمشق [ ج ٣٩ ] تاريخ مدينة دمشق](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F2337_tarikh-madina-damishq-39%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
