أفواجا ، ومن كلّ فرقة أشتاتا وأرسالا ، اختار الله عزوجل لنبيه ما عنده ، فلما قبض نبيه صلىاللهعليهوسلم نصب الشيطان رواقه ومدّ طنبه ونصب حبائله ، وأجلب بخيله ورجله فظنّت رجال أن قد تحققت أطماعهم ولات حين التي يرجون وأنى ، والصديق بين أظهرهم ، فقام حاسرا مشمّرا فجمع حاشيته ، فرد نشر الإسلام على غرّه ولم شعثه بطبّه (١) ، وأقام أوده بثقافه ، فامذقر النفاق بوطأته ، وانتاش الدين ، بنعشه ، فلما أراح الحق (٢) على أهله ، وقرر الرءوس على كواهلها ، وحقن الدماء في أهبها ، أتته منيته فسد ثلمته بنظيره في المرحمة وشقيقه في السيرة ، والمعدّ له ، ذاك ابن الخطاب ، لله درّ (٣) أمّ حملت له ودرّت عليه ، لقد أوجدت به ، ففتح الكفرة ، وذبحها ، وشرّد الشرك شزر ، مذر بعج الأرض وبخعها فقاءت أكلها ، ولفظت خبيثها ، ترأمه ، ويصدف عنها وتصدّى له ويأباها ، ثم وزّع فيها فيئها وودعها كما صحبها ، فأروني ما ترتئون وأي يومي أي تنقمون؟ أيوم أقامته إذ عدل فيكم أم يوم ظعنه؟ فقد نظر لكم ، استغفر الله لي ولكم.
قال : ونا الزبير ، قال : وحدّثني أحمد بن محمّد الأسدي ، عن محمّد بن عبد الله الهاشمي ، عن أبي عبد الرّحمن الأزدي قال (٤) :
لما انقضى الجمل قامت عائشة ، فتكلمت فقالت : أيها الناس إنّ لي عليكم حرمة الأمومة ، وحق الموعظة لا يتّهمني إلّا من عصى ربه ، قبض رسول الله صلىاللهعليهوسلم بين سحري (٥) ونحري ، وأنا إحدى نسائه في الجنة ، ادّخرني ربي وحصّنني من كل بضاعة (٦) ، وبي ميّز مؤمنكم من منافقكم ، وفيّ رخّص للمرء في صعيد الإقواء (٧) ، وإني رابع أربعة من المسلمين ، وأول مسمّى صدّيقا ، قبض رسول الله صلىاللهعليهوسلم وهو عنه راض فطوقه وهف (٨)
__________________
(١) الطّبّ : الحذق.
(٢) في م : الدين.
(٣) «لله درّ» استدركت على هامش الأصل.
(٤) الخبر في الفائق في غريب الحديث للزمخشري ٢ / ١٦١.
(٥) عن م وبالأصل شحرى. والسحر : الرئة والمراد الموضع المحاذي للسحر من جسدها ، وروي : شجري. قال الأصمعي : هو الذقن بعينه حيث اشتجر طرفا اللحيين من أسفل.
(٦) في الفائق : وضيع.
(٧) بالأصل وم : الأقوال ، والمثبت عن الفائق.
والأقواء فيه وجهان : أن يكون علما للمكان ، أو جمع قيّ وهو القواء أي المكان القفر.
(٨) وهف الأمانة : الإقامة بها ، من الواهف وهو قيّم البيعة ، وهف يهف وهفا. وحقيقة معناه : الدنو.
![تاريخ مدينة دمشق [ ج ٣٠ ] تاريخ مدينة دمشق](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F2295_tarikh-madina-damishq-30%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
