قدر ما يسرده هؤلاء اللاعبون عن ظهر القلب لأعظمته جدا ، فإن كلا منهم يحفظ من القصص والنوادر ما يكون أكبر حجما من ديوان المتنبي ، ولا يكاد أحدهم يتلعثهم في عبارة ، وقد يوارون شخصا بيده الكتاب الذي تحفظ منه تلك الحكايات في مكان ، حتى إذا ذهل المتكلم عن شيء ردّه ، ولكن وقوع ذلك نادر. ويقال إن هؤلاء الفصحاء في ملعبهم أولوا عيّ في غيره.
وفي هذه المواضع من الآلات والأدوات والمناظر ما يحيّر الناظر ، لأنه على قدر اختلاف الوقائع والحوادث ينبغي أن يكون اختلاف الأدوات اللازمة لتمثيلها ، مثال ذلك إذا أريد تمثيل ما جرى بين السموأل وبين الحارث بن ظالم ، حين طلب منه أن يسلّمه الدروع التي أودعها عنده أمرؤ القيس ، نصبوا مكانا شبيها بالقلعة وجاءوا بدروع وسيوف ، وشخصين مثيلي أمرئ القيس والسموأل ، فيكون هذا لابسا لباس الملازم لبيته المشتغل بأمور نفسه ، وذاك بلباس البطل المحارب المزمع على السفر ، ويشرع الشخص الممثل لامرئ القيس في أن يخاطب الآخر بأنه قام له هم في النفس اضطره إلى مفارقة الوطن ومباينة السكن ، فإن المعالي لا تدرك إلا بجهد النفس والمخاطرة ، وإدانة المصون من النفائس والرغائب وما أشبه ذلك من الكلام الحكمي ، وينشد في خلال ذلك أبياتا يتمثل بها كقول المتنبي مثلا :
|
تريدين إدراك المعالي رخيصة |
|
ولا بدّ دون الشهد من إبر النحل |
أو قول الآخر :
|
يغوص البحر من طلب اللآلئ |
|
ومن رام العلى سهر الليالي |
ويتأوه في أثناء الخطاب ويحرك رأسه وينظر نظر المبتئس الشافن ، إلى أن يفرغ من الإنشاد والناس منصتون لا تسمع لأحد منهم نأمة ، ثم يأتي بالأدرع والسلاح ويسلمها للسموأل فيأخذها منه ، وبعد أن يتوادعا وينشد كل منهما أبياتا دعاء لصاحبه على ما يقضيه المقام ، يدخل السموأل حصنه ويرخي الحجاب ، وبعد قليل يرفع ويأتي الشخص الممثل به الحارث بلباس فاخر يدل على صفته ، ومعه جند وأعوان شاكي السلاح ، ويطلب الدروع من السموأل وهو متهدد له ومتوعد ، ويتمثل
