وستّون ، ولها مقاعد من خشب وكراسي على طول جهتي الطريق ، وبين الشطرين طريق واسع لمرور الخيل والحوافل والعواجل ، ففي أيام الأعياد ترى هذا الممر ملآن من تلك المراكب ، فإن أهل الثروة يذهبون إلى هناك متفاخرين بما فوقهم من اللباس وبما تحتهم من المركوب ، وترى النساء في العواجل المفتوحة متكئات كأنما هنّ راكبات على نمارق وفرش ، والعجب والتيه يلمعان من جبنهنّ ، وكثيرا ما تراهن راكبات على هذه الصفة ودخان التبغ خارج من أفواههنّ. ومن العجب أن أهل باريس يخرجون إلى هذا الموضع وإلى «بوا دوبولون» في أيام الأربعاء والحميس والجمعة من جمعة الآلام ، قصد المباهاة والمفاخرة فيما يلبسون ويركبون ، فهي عندهم موسم التأنق والتظرف ، ومع ذلك فإن الجزّارين يتحرّجون من بيع اللحم يوم الجمعة ، إمّا احتراما له أو حياء من الناس ، وفي هذه الغيضة «جاردن مابيل» وهو بستان بهيج تنتابه الرجال والنساء للرقص ، فيه خمسة آلاف نور ، وبستان الشتاء ، ولا يمكن أن يكون في العالم بستان أجمل منه على صغره ، فإنه راموز الجنّة ، وفيه عين فوّارة يصعد الماء منها علو قامات ، وفيها قصر للزهور ، وموضع واسع ترمح فيه الخيل ، وخيام لا تحصى يباع فيها الشراب والنقل والحلواء ، وفيها زمر شتى كزمر باب الرميلة بمصر ، فمن بين مشعوذ ومغن وعازف ومحدّث ومحنبش(٢٨٩) وغير ذلك. وفيها ثلاث قبب مزخرفة ذات بهجة وأنوار يجلس في كل منها ستّ نساء أو خمس من القيان الحسان ويغنين على آلات الطرب وهن كاشفات عن الصدور والأكتاف ولكن لا يكون ذلك إلا في فصل الصيف فمن شاء أن يقعد على كسي ويسمع الغناء لزمه أن يشرب شيئا من محل القهوة ودفع ثمنه ضعفين ، وإذا انتقل من كرسي إلى غيره وجب عليه تجديد الشرب ، ومن وقف يستمع فلا تكليف عليه. وهناك من الحياض والتماثيل والملاعب والملاهي والصروح والأعلام ما ينسي الغريب وطنه ، وكان غرس هذه الغيضة في سنة ١٦٧٠ ويقال أن في باريس ثلاثة عشر ألف شجرة من غرس سنة إلى عشر سنين ، وعشرة آلاف شجرة من عشر سنين إلى ثلاثين سنة ، وأكثر من أربع وثلاثين ألف من ثلاثين سنة فصاعدا وغالبها من شجر الميس.
__________________
(٢٨٩) المحنبش : الذي يرقص ويصفّق ويثب.
