لحرف أسقطه في الكلام ، وللضابط أن يبيت الناس في مضاجعهم ، وللشرطي أن يقبض على أيّ شخص كان ، ولضابط العسكر أن يخترط سيفه على أيّ عنق سنحت له ، وللبطرك أن يحرم أي شخص كان من رعيته ، حتى لا يعود لأحد من أقاربه وأهل بيته استطاعة على مخاطبته ومبايعته ، وإلى من المشتكى وأين النصير ، وأين المجير؟ فيا ليت شعري متى نصير نحن ولد آدم بشرا كهؤلاء البشر ، ومتى نعرف الحقوق الواجبة لنا وعلينا؟ أنخال أن معنى التمدن هو أن يكون الناس في مدينة وفيها ذئاب وسباع ، كلا ، ثم كلّا جير أن اجتماع الذئب والخروف في مرعى واحد ليوجب على اليهود أن يؤمنوا بأن المسيح قد جاء.
ومن ذلك تنشيط أولادهم إلى الأشغال وتمرينهم على ما يكسبهم وإيّاهم الرزق الكافي والمواظبة على الأعمال ، والصبر على ما يتعاطونه جلّ أو حقر ، فإنّهم لا يملّون من السعي ، ولا يرون في الكسل راحة ، ولا يقول أحدهم : إني كبرت عن تعلّم شيء ، فلا يزالون دائبين كالنمل ما دامت فيهم نسمة تحرك ، ومع كل هذا التجلّد والتحمّل فمتى ضيم أحدهم ، أو سقط شرفه أو مال نجمه ، فأهون شيء عليه نحر عنقه. وذلك عندي من جملة الأفعال المتناقضة في الطبع البشري ، وجلّ سعيهم في شبابهم إنّما هو لتحصيل ما يهنئهم في شيخوختهم حتى يمكن لهم تربية أولادهم ، فلا يحتاجون إلى التكفّف ، أو إلى ملازمة المستشفيات والملاجئ المعدّة للعاجزين ، وكلّ منهم يعمل بقول الشاعر :
|
قليل المال تصلحه فينمى |
|
ولا يبقى الكثير على الفساد |
فأما قول عروة بن أذينة :
|
لقد علمت وما الإسراف من خلقي |
|
أن الذي هو رزقي سوف يأتيني |
|
أسعى له فيعنّيني تطلّبه |
|
وإن أقمت أتاني لا يعنّيني |
فإنه يعدّ عندهم من الأماني الفارغة الباعثة على التواني ، غير أن حب التناهي غلظ ، فإنّ تعليق العبد توفيقه ونجاحه بالكلية على سعيه وكدّه لا يخلو من ازدراء
